‏إظهار الرسائل ذات التسميات 1. الرسالة الأولى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات 1. الرسالة الأولى. إظهار كافة الرسائل

الرسالة الأولــى

رسالة عن الجبهة الوطنية الديموقراطية ودور الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوى فى الدعوى إلى إقامتها، 
نص مقال للأستاذ محمود توفيق نشر بجريدة الأهرام يوم 1985/9/14.

نص مقال للأستاذ محمود توفيق

فى السادس من يوليو الماضى -وفى أعقاب ما سمى، بالمسيرة الخضراء، وما اتصل بها من أحداث وما أثاره كل ذلك لدى الكثيرين من احساس بتصاعد مخاطر الفتنة الطائفية والأرهاب المتستر بمسوح الدين -نشر الاستاذ عبد الرحمن الشرقاوى بجريدة الأهرام مقالا بعنوان "لابد من الجبهة".
فى هذا المقال أوضح الاستاذ الشرقاوى رأية فى ظاهرة تصاعد الأرهاب الفكرى والسياسى باسم الدين ومدى ارتباط هذا الأرهاب بمخططات أجنبية خفية وشريرة، وبنشاط العناصر المرتزقة والمأجورة التى تعمل فى خدمة تلك المخططات، وحذر الشرقاوى من الأرتباط الواضح بين ما يرد حدوثه فى مصر من جراء تصعيد الارهاب باسم الدين، وما سبق حدوثه فى ايران وفى لينان، على أيدى مثل هذه القوى والعناصر وماجره ذلك على البلدين، وعلى المنطقة كلها من عواقب.
وانتهى الشرقاوى من ذلك الى توجيه الدعوة الى شعب مصر، ممثلا فى كل القوى الوطنية وكل الأحزاب السياسية، وكل المثقفين ممثلى القوى الشعبية من مختلف الآراء والأتجاهات، الى التضامن فى جبهة وطنية قوية، لانتشال الأمة وانتشال انفسهم وابنائهم من هول الفتنة.
وأضاف الشرقاوى فى بيان أهداف الجبهة، أننا ندعو الى جبهة وطنية صلبة من كل الأحزاب ومن غير المنتمين الى أحزاب، ومن كل الاتجاهات والأفكار والعقائد، لتتفق على طريق واحد تقود الوطن الى الأمن، وتوفير الكفاية لكل المواطنين، ولكفالة العدل، وحماية الحرية، والمصير..
ثم قال: "أنه لا حل لمشاكل الوطن إلا من خلال هذه الجبهة الوطنية، إلا بالأستفادة بكل الآراء والأفكار والطاقات".
______________
نشر هذا المقال بجريدة الأهرام بعددها الصادر فى 1985/9/14 تعليقا على مقالات الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوى الداعية الى إقامة الجبهة الوطنية وعلى موقف حزب التجمع من تلك الدعوة.

1- مزيد من الايضاح لطبيعة الجبهة واهدافها

وفى مقال ثان نشر بجريدة الأهرام بتاريخ 1985/7/13 تحت عنوان "لمن شرف المبادرة" عاد الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوى الى تأكيد فكرته وزيادتها ايضاحا، فقرر أنه يوجه دعوته الى كل القوى السياسية والاجتماعية على اختلاف الآراء والأفكار والعقائد، والى كل من يشعر بالمسئولية فى أى موقع الى انشاء الجبهة الوطنية، وان طريق الجبهة هو طريق الخلاص، ولا خلاص فى غير هذا الطريق، ولا حماية للوحدة الوطنية ولمصالح هذا الوطن إلا بإنشاء حصن حصين هو الجبهة.
وقرر الاستاذ الشرقاوى أنه لا يستثنى أصحاب الأتجاهات الدينية من المشاركة فى الجبهة، ثم عاد إلى أهداف الجبهة فزادها بيانا على النحو التالى:
 وأما هدف الجبهة فهو: "الأتفاق على ما هو مشترك، على أرض للقاء تتحصن فيها القوى المختلفة، دفاعا عن حقوق المواطن، وحرياته، وكرامته، ومتقبله، وعن مصير الوطن نفسه".
ثم زاد أهداف هذه الجبهة تفصيلا على النحو التالى:
 "ولا ريب أن كل القوى مهما تختلف، تتفق على حق الوطن فى الأمن والسلام أمام كل الأعداء".
وهى تتفق على وجوب كفالة حق المواطن فى أن ينعم برغد العيش، وبالمسكن الصالح، وفى أن تحافظ الدولة على كرامته، وان تضمن له التعليم المفيد، والثقافة التى تضئ بها النفس وشرق بها العقل، فضلا عن كفالة حقه فى العدل وفى المساواة، وفى الحريات الديمقراطية وأولاها حرية التعبير، على أساس مطمئن من الرعاية الصحية، والاجتماعية، ومن تكافؤ الفرص، ومن ضمان مواصلات مريحة، وخدمات ميسرة، وجو هادئ يتنفس فيه وينتج، ولا تلوثه الضوضاء أو الغازات السامة المتراكمة من عوادم السيارات والموتوسيكلات.
ثم يعمد الاستاذ الشرقاوى الى تأكيد عدد من المبادئ العامة التى تشكل الأساس السياسى والاجتماعى للجبهة كما يلى: 
 "ما من أحد من الأحزاب السياسية أو القوى الاجتماعية يختلف حول وجوب النضال دفاعا عن استقلال الوطن وسلامته وأمنه، أو يختلف حول وجوب العمل الدائب فى كل نهار وليل لتوفير السعادة والعدالة والسكينة والطمأنينة لكل مواطن..".
ما من حزب يدعو الى سيادة طبقة.. أو يبارك استغلال طبقة، ما من حزب يدعو الى تمييز أو تمايز بين طبقات الأمة.. وما من حزب يدعو الى افقار الفقراء.. والى اثراء الأثرياء.. وما من حزب يمكن أن يدعو الى التفرقة أمام القانون فى الحقوق والواجبات".
 "وما من حزب يدعو الى انتهاك حرمات الوطن.. أو الى قهر المواطن.. والى ظلم فئة لحساب فئة،..
 "وما من حزب يدعو الى أن يكون الوطن خاضعا لاحدى القوى الأجنبية.. أو يدعو الى ما ينتهك حريات الوطن"..
 وأخيراً فإن الأستاذ الشرقاوى يلخص فكرته عن الجبهة فى دوافعها وأهدافها بقوله: "الجبهة ليست فى ذاتها هى الهدف أو الغاية، ولكنها الوسيلة الوحيدة الى أنبل غاية، "رفعة الوطن، ورفاهية الوطن".
**      **      **

2- البعد القومى للجبهة الوطنية

لا يكتفى الاستاذ الشرقاوى بما اقترحه أساسا للجبهة الوطنية المصرية، فهو يشير فى النهاية الى المضمون القومى الواجب لهذه الجبهة فيقول:
 "والحديث عن الجبهة الوطنية المصرية يذكرنا بأهمية الجبهة القومية العربية، فما انتهكت حقوق العرب الا منذ تفرقوا، ويسرد الشرقاوى كيف ارتبطت مراحل المؤامرة الاستعمارية الصهيونية على العرب بتمزقهم، وينتهى من ذلك الى القول: "وهكذا ساعد التمزق العربى على نجاح الارهاب الامريكى الاسرائيلى.. فليست الولايات المتحدة وحدها هى التى غرست الارهاب الاسرائيلى فى بلادنا ثم حمته من ادانة مجلس الأمن.. لقد فعلت الادارة الامريكية كل هذا حقا.. ولكنها ما كانت لتستطيع أن تفرض الأرهاب الاسرائيلى وتحمية لو كان العرب جبهة واحدة صلبة".
**         **       **
وهكذا نرى أن عبد الرحمن الشرقاوى يطرح على الجبهة المقترحة كل القضايا والمهام الأساسية فى حياتنا والتى تتدرج من القضية الوطنية ببعدها القومى، الى قضايا الديمقراطية فى جملتها وتفاصيلها الى القضايا الطبقية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية برمتها، وأخيرا الى قضايا البيئة وحمايتها، بل ان عبد الرحمن الشرقاوى قد عاد فى مقال له بالأهرام نشر فى 1985/8/24 بعنوان: "أنت لا تنزل الى النهر مرتين" ليستعرض العديد والمزيد من المشكلات المطروحة على الجبهة المقترحة، مثل: التلوث، والقذارة، والضوضاء، والمواصلات، والاسكان، والنظافة، والغذاء، والكساء، وسائر المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (الاخلاقية وسلبيات السلوك الاجتماعى، وينوط بالجبهة المقرتحة علاج كل هذه الأدواء مطالبا الجميع بالتكاتف بلا تحزب ولا تعصب للعمل على إيجاد الحلول لمشاكل هذا الشعب.
كيف يوضع برنامج الجبهة؟
ومع كل ما يقترحة الاستاذ الشرقاوى كأهداف للجبهة وكمهام مطروحة عليها، فهو لا يزعم أنه يطرح برنامجا لها، بل يترك وضع هذا البرنامج لقوى الجبهة كلها، ويقول فى ذلك:
 "لابد من أن ينهض أحد الاحزاب السياسية أو ممثلو احدى القوى الاجتماعية لوضع الأهداف الوطنية المشتركة، ودستور العمل".
وبيسأله الأستاذ عبد الستار الطويل فى حوار معه نشر بجريدة السياسى فى 1985/7/28 عن برنامج تلك الجبهة كما يتصوره، فيجيب بقوله:
 "أنا ممتنع تماما عن طرح أى برنامج لها.. أن على كل القوى السياسية أن تجتمع وتطرح هى أفكارها وتصوراتها وتتفق حول ما تتفق عليه ليصبح برنامج الجبهة".
ويفسر موقفه هذا بقوله:
 "أن المشاكل ضارية فتاكة تصيب ابناء الوطن بالاحباط، وما من حزب واحد لدية حل نهائى لهذه المشاكل جيمعا، ولكن تلاقى الافكار، وتحاورها سينتج حلاً شافياً بلا جدال.. ربما كان لدى كل حزب الحل الأمثل لمشكلة ما، ولكن ما من حزب لدية حلول سحرية لكل المشاكل".
* * *

3- الشرقاوى.. والموقف الجبهوى

ان عبد الرحمن الشرقاوى حين يتوجه الى شعبه بهذه الدعوة، لا يقوم بعمل طارئ أو مفاجئ وانما يصدر فى ذلك عن موقف ثابت له معروف عنه للجميع.. وقد عبر عن ذلك فى مقاله الأول بجريدة الأهرام بقوله: "لقد طالما دعوت الى جبهة وطنية صلبة.. فهل جاء الوقت؟"
 ويذكر الجميع للاستاذ الشرقاوى أنه قد انتهج دائما الخط الوطنى، الجبهوى والتوحيدى وانه قد وضع هذا الخط موضع التطبيق فى قيادته لمجلة روز اليوسف فى السبعينات ودعوته المستمرة للحوار والوفاق الوطنى بديلا للصراع العدائى المدمر العقيم، ويذكر الجميع أن الشرقاوى قد دعا لهذا الحوار فى أشد الظروف حرجا وتعقيدا عام 1979، رغم ما لقيه فى سبيل ذلك من عنت وارهاق.
ويذكر الجميع أن الشرقاوى قد انتهج هذا الخط الوطنى الجبهوى والتوحيدى فى رياسته للجنة التضامن المصرية، ولحركة التضامن الدولية، مما احال اللجنة المصرية للتضامن من كيان رمزى محدود، الى كيان وطنى جبهوى، واسع ومحترم.
والشرقاوى بمواقفه هذه قد ساهم أكبر مساهمة فى ارساء خط أساسى لليسار الوطنى فى مصر، هو خط التمسك المخلص والدائم بالموقف الوطنى الجبهوى والتوحيدى.
والى جانب هذا الموقف المبدئى، فان الشرقاوى يستمد موقفه الجبهوى من تراث الحركة الوطنية المصرية، ومن تراث اليسار المصرى وهو يقول فى ذلك:
"هذه الدعوة ليست جديدة، فمخزون الحركة الوطنية المصرية عامر بتجارب اقامة جبهات وطنية منذ أيام سعد زغلول ثم مصطفى النحاس".
ويقـــول:
"ثم ان اليسار المصرى تبنى تلك الدعوة بعد الحرب العالمية الثانية، واثمرت الدعوة تشكيل الجبهة الشهيرة باسم اللجنة الوطنية للطلبة والعمال".
وهو يعتقد، أنه ما من مفكر أو سياسى مخلص يمينيا كان أو يساريا، الا ودعا الى تلاحم وتراص قوى الشعب لمواجهة أية مشاكل جادة يواجهها الوطن.
وهو فى دعوته الدائمة الى الجبهة ليس حالما أو خياليا.. فهو لا يصور أن مجرد ادعوة الى الجبهة أو حتى قيامها سوف ينهى كل الخلافات والتناقضات بين أطرافها بل هو مدرك تماما لطبيعة العلاقات الجدلية التى تنشأ داخل هذه الجبهة فيقول:
 "ان الدعوة الى الجبهة لا تنفى وجود الخلافات، فالجبهات تقوم على مبدئين: الوحدة والصراع.. أى الاتفاق والخلاف معا".
والشرقاوى -يصدر فى دعوته الحالية الى الجبهة- عن تقدير واقعى وسليم للوضع السياسى الراهن فى البلاد، وان الحكومة الحالية وحزبها لا يستطيعان وحدهما أن يحلا المشكلات الكبيرة، والعديدة والمعقدة التى تواجهها البلاد، فيقول فى ذلك:
 "والحزب الوطنى لا يستطيع أن يزعم أنه يمثل كل ما فى مصر من عقائد، ومن فئات وطبقات وآراء وأفكار.. ولو كان للحزب الوطنى من النشاط ما يجب أن يكون لحزب يتمتع بالاغلبية البرلمانية لما استطاعت الدعوات المشبوهة أن تدمر عقول بعض الناس باسم الدين".
وهو يشير الى احتياج البلاد الى جانب الجبهة الوطنية الى حكومة ائتلافية فيقول:
 "على أن الحكومة الائتلافية ليست بالصيغة التى نفرغ منها، فربما كانت هى التعبير الحى الفعال على الجبهة الوطنية".
* * *

4- لماذا رفض حزب التجمع الجبهة؟

ولم يكن عبد الرحمن الشرقاوى -اذن- فى دعوته الى أقامة الجبهة الوطنية وفى تصوره لأسس قيام هذه الجبهة وأهدافها معبرا عن ذاته فقط، وانما كان معبرا فى نفس الوقت عن افكار ومواقف اليسار المصرى بصفة عامة، أو على وجه التحديد، عن افكار ومواقف التيار الغالب فى هذا اليسار، والذى نسمية "اليسار الوطنى" وهو التيار الأكثر وعيا ونضجا وشعورا بالمسئولية، وارتباط بحياة وتراث ومصالح ومشاعر الشعب المصرى.
لذلك فقد كان طبيعيا أن يبدى هذا التيار ارتياحه وتأييده لدعوة الاستاذ الشرقاوى الى اقامة الجبهة الوطنية وللأسس والأهداف التى اقترحها لهذه الجبهة، معتبرا أن الاستاذ الشرقاوى انما كان فى ذلك نائبا عن اليسار المصرى، ومتحدثا بلسانه.
وقد جاءت ردود الفعل الايجابية لهذه المقالات فى أوساط اليسار المصرى، ولدى الغالبية العظمى من ممثليه معبرة عن هذا الموقف، وظهر ذلك فى بعض الكتابات التى نشرت فى الصحف فى حينها ولاشك فى أن الفترة القريبة القادمة، سوف تشهد المزيد من مظاهر التعبير عن هذا الموقف.
غير أنه فى مواجهة هذا الموقف الايجابى للتيار الغالب داخل اليسار المصرى وهو تيار اليسار الوطنى كان هناك موقف آخر للتيار الأخر داخل هذا اليسار وهو الذى نسمية "اليسار المغامر" وبقدر ما يتسم به اليسار الوطنى من روح ايجابية ومنهج جبهوى توحيدى بقدر ما يتسم اليسار المغامر بالسلبية، وبالمواقف الانعزالية والانقسامية.

5- حزب التجمع يرفض الجبهة

ففى 31 يوليو سنة 1985 نشرت جريدة الأهالى تصريحا لمتحدث رسمى باسم حزب التجمع يقول فيه:
 "ان الحزب لم يقرر الاستجابة لهذه الدعوة ولم يتفهم -بعد- لا الدوافع ولا اساس الذى يمكن أن تقوم عليها مثل هذه الجبهة".
وبعد كل ماكتبه الشرقاوى شرحا لدعوته وبيانا لدوافعها، ولاسس وأهداف الجبهة التى يطالب بها كما ذكرنا فيما سبق فان المرء يحتاج الى قدر غير عادى من القدرة على عدم الفهم أو القدرة على ادعاء عدم الفهم، حتى يستطيع أن يقول ما قاله المتحدث الرسمى بلسان حزب التجمع.
وعلى أى حال فسرعان ما اتضح أن الدعاء عدم الفهم هذا لم يكن الا ستارا للرفض القاطع من جانب حزب التجمع لدعوة الاستاذ الشرقاوى للجبهة فى جملتها وتفاصيلها، وسرعان ما أعلن الحزب عن موقفه هذا فى مقالين متتاليين لرئيس تحرير مجلة "الأهالى" نشرا بها فى 21 و 28 أغسطس الماضى بعنوان "حوار عبد الرحمن الشرقاوى، وهو حوار جرى من جانب واحد، اذا لم يحضره الاستاذ عبد الرحمن الشرقاوى نفسه ولم يعلم به".
لقد أجهد رئيس تحرير الأهالى نفسه واجهد قراءة فى شرح وتبرير موقف الحزب من دعوة الاستاذ الشرقاوى، فأورد الكثير مما يمكن تفنيده والرد عليه، ولكننا لسنا بحاجة الى الرد على كل ما نعارضه أو نعترض عليه مما جاء فى مقال السيد رئيس التحرير وسوف نكتفى بمناقشة بعض النقاط الجوهرية فيما كتب.
من بين كل ما قاله السيد رئيس تحرير الأهالى تبرز أمامنا العبارة التالية لتلخص لنا موقف الحزب:
"أننا نرفض تحديده للعدو والاطراف الجبهة وعدم وضوح أهدافها".
وقد أوضحنا كيف افاض الاستاذ الشرقاوى فى بيان الدوافع التى تحدو به الى الدعوة لاقامة الجبهة، ولعل القارئ قد لمس أن هذه الدوافع هى دوافع طبيعية جدا بل وبدهيةوانها كافية ومقنعة جدا لكل من يريدأن يقتنع ولكن المتحدث الرئيسى لحزب التجمع ورئيس تحرير جريدته يصران على عدم الاقتناع بصحة هذه الدوافع أو بوجاهتها وكأنه لابد من وجود دافع خفى، أو تآمرى وراء كل سلوك حتى ولو كان سلوكا طبيعيا.
والواقع أن ما يثير الدهشة حقا ويدعو الى البحث عن الدوافع الخفية، ليس هو مطالبة الاستاذ الشرقاوى بإقامة الجبهة الوطنية، بل هو رفض حزب التجمع لهذه الجبهة.
ويقول رئيس تحرير الأهالى:
 "أن هذا التحديد الواضح للعدو، والهدف من الجبهة، يحدد أيضا أطرافها".
كما يقول:
 "فنحن نرفض تحديده للعدو، ولا نوافق على تحديدة لقوى الجبهة، ولا نفهم الهدف منها". 
وحتى يستقيم المنطق فى هذه المعادلة، فليسمح لنا رئيس تحرير الاهالى بأن نعيد ترتيب عناصرها فنقول: أن التحديد الواضح لاهداف الجبهة هو الذى يحدد اطرافها، كما يحدد أعداءها.
ولقد افاض الاستاذ الشرقاوى كما أوضحنا من قبل فى تحديده لاهداف الجبهة ومهامها، مع ذلك فان حزب التجمع يصر على عدم الفهم، يصر على أن ما جاء فى مقالات الاستاذ الشرقاوى فى هذا الصدد ليس الا "مجموعة من الكلمات العامة التى لا تحدد هدفا بذاته وانما تكتفى بشعارات مطلقة تحمل أكثر من معنى وتفسير".
ويقول الاستاذ الشرقاوى: "أنه لا يضع برنامجا للجبهة بل هو يترك هو يترك ذلك لقوى الجبهة ذاتها وهو بذلك يترك الأمر للاتفاق بين أطراف الجبهة، ومع ذلك فان حزب التجمع لا يريد أن يتخذ من الامر كله الموقف الايجابى البناء.. فيبدى استعداده لبذل جهده فى ايضاح واستكمال برنامج الجبهة، بل على العكس فانه لا المتحدث الرسمى باسم الحزب ولا رئيس تحرير جريدته يتمهل ويعطى لنفسه أو لحزبه الفرصة لكى يختبر مدى جدية الأمر، ومدى امكان العمل على استكمال النواقص التى يراها فيه".

6- من هم أعداء الجبهة

يصر رئيس تحرير الأهالى على: أن "الاستاذ الشرقاوى لم يترك مجالا للشك فى أن الجبهة التى يدعو اليها موجهة ضد الجماعات الدينية المتطرفة وصناع وتجار الدين والمرتزقة الذين يغترفون من أموال اعداء مصر".
 ومن البداية فأننا تصحيحا للوقائع نؤكد أن الأستاذ الشرقاوى لم يطالب بتوجيه الجبهة ضد "الجماعات الدينية المتطرفة" كما يقول رئيس تحرير الأهالى بل أنه على العكس يقرر فى حواره مع جريدة السياسى ما يلى بالحرف الواحد:
"وخلافى وانتقادى ضد بعض التيارات الدينية المتطرفة لا يلغى اعتقادى بأنها جزء من القوى الوطنية ويجب دعوتها للحوار والانضمام للجبهة".
فمن أين؟ ولماذا؟ اتى رئيس تحرير الأهالى بهذه المقولة التى أقام عليها ركنا مهما من أركان موقفه فى رفض الجبهة التى يدعو اليها الشرقاوى؟..
الصحيح أن الأستاذ الشرقاوى بدأ مقالاته عن الجبهة بحديثه عن "المسيرة الخضراء" وانتقل من ذلك الى التحذير من الانسياق وراء استخدام المشاعر الدينية لخدمة المخططات الشريرة والخفية، ومن نشاط المرتزقة والمأجورين الذين يعترفون من أموال أعداء مصر باسم الدين، وما يشيعونه من أرهاب فكرى وسياسى، مما يمكن أن يؤدى بالبلاد فى النهاية الى مصير كمصير ايران أو لبنان، فهل أخطأ عبد الرحمن الشرقاوى فى تقديره وفى تحذيره من هذه المخاطر؟
من الواضح أن حزب التجمع لا يشارك الاستاذ الشرقاوى فى تقومية لهذا الخطر وهو يرى كما يقول رئيس تحرير جريدته: أن "الجماعات الدينية والتيارات الدينية التى تمارس العنف فى حركتها وتساعد على اذكاء نار الفتنة الطائفية وترفض الحوار ليست هى -رغم الرفض الواضح لمنطقها- ليست هى الخطر الأساسى ولا العدو الرئيسى الذى يهدد الوطن والمواطن فى هذه المرحلة".
ويقول أيضاُ: أن العنف فى مصر مازال أقل بكثير مما تعانيه مجتمعات عديدة، ويضرب على ذلك الأمثال بما يحدث فى المملكة المتحدة والهند واسبانبا والمانيا وايطاليا..
ويبدو لنا أن وراء هذا التقليل من خطر الأرهاب والعنف باسم الدين من جانب حزب التجمع ميلا الى التسامح مع ظاهرة العنف والأرهاب السياسى بصفة عامة وخاصة حين يستخدم هذا العنف ضد الخصوم وهذا موقف لا مبدئى دخيل على اليسار المصرى الذى يرفض العنف والأرهاب الفكرى والسياسى بصفة مبدئية وفى جميع الحالات ولعل ذلك هو السبب فى التعاطف طويل المدى من جانب حزب التجمع، ومن جانب اليسار المغامر بصفة عامة، مع نظام الخمينى فى ايران بزعم أنه نظام ثورى اشتراكى، ولعله أيضا هو السبب فى تعاطف هؤلاء ايضا مع عملية اغتيال السادات فى حادث المنصة، مما يتعارض تماما مع الموقف المبدئى لليسار المصرى.
ومع ذلك كله فان الاستاذ الشرقاوى وان اعتبر قوى الارهاب والعنف باسم الدين خطرا ينبغى على الجبهة مواجهته فهو لم يعتبرها الخطر الاوحد، ولا العدو الرئيسى لقوى الجبهة، والذى يرجع الى أهداف الجبهة كما عرضها الشرقاوى لا يصعب عليه أن يهتدى الى أن الاعداء الرئيسيين لقوى الجبهة هم بذاتهم اعداء تحرر وديمقراطية وتقدم ورخاء هذا الشعب ولن يكونوا أبدا الا الامبريالية والصهيونية وقوى الرجعية والاستغلال الداخلية والخارجية المرتبطة بهما، ولم يكن الاهتداء الى ذلك محتاجا الى أى جهد من جانب حزب التجمع ولكنه كان محتاجا الى شئ من الموضوعية وروح الانصاف.
لا يوافق حزب التجمع على تحديد الاستاذ الشرقاوى لقوى الجبهة وبصفة خاصة فهو لا يوافق على اعتبار النظام القائم حزبا وحكومة ضمن هذه القوى وهذا هو بيت القصيد فى كل موقف التجمع من دعوة الاستاذ الشرقاوى وفى ذلك يقول رئيس تحرير الأهالى:
 "فلا يمكن أن تتسع الجبهة لحزب أو حكومة تدافع عن سياسة التبعية للولايات المتحدة وتتمسك باتفاقيات وكامب ديفيد ومعاهدة الصلح مع العدو الاسرائيلى التى تنتقص من سيادة مصر على سيناء، وتفرض التطبيع مع اسرائيل وتمدها بالبترول".
ويرتبط هذا القول بموقف اساسى للتجمع، هو اعتبار أن أعداء الجبهة، وأعداء مصر هم "هذا التحالف غير المقدس بين الولايات المتحدة الامريكية (العدو الاسرائيلى وحكومة الطفيليين والرأسمالية الكبيرة التابعة" ومن ثم فان هدف الجبهة انما هو "انقاذ مصر من التبعية وفقدان الادارة الوطنية ومن الفساد والطفيلية وحكم الأقلية".
التجمع اذن واليسار المغامر عموما، يعتبران هذا النظام نظاما خائنا وعميلا وحليقا للامبريالية الامريكية وللعدو الاسرائيلى وهذا ينطبق على الحكومة كما ينطبق على حزبها وهما يمثلان الفئات الطفيلية والرأسمالية الكبيرة التابعة للامبريالية ولأسرائيل ومن ثم فلا أمل فى أى تغيير داخل هذه السلطة أو فى توجهاتها مهما كانت ضغوط الواقع أو ضغوط الجماهير، والأمل الوحيد فى تغيير الأوضاع لا يتحقق الا باسقاط هذا النظام.
وبهذا يكون التجمع، واليسار المغامر عموما قد وصلا الى نهاية الشوط فى التطرف واليأس والانعزالية.
ومع أن اليسار الوطنى هو أيضا ضد الامبريالية الامريكية وغيرها وضد العدو الاسرائيلى وضد كامب ديفيد ومعاهدة الصلح مع اسرائيل وضد التبعية وضد الفساد والطفيلية وحكم الاقلية ومع أن له اعتراضاته وتحفظاته على بعض توجهات النظام وسياساته الا أنه يختلف مع حزب التجمع ومع اليسار المغامر عموما فى شأن هذا النظام فاليسار الوطنى يعتبر النظام فى مجموعة ورغم اخطائه نظاما وطنيا ويتفهم الصعوبات والتعقيدات البالغة التى يتحرك فى ظلها هذا النظام.
ولذلك فان اليسار الوطنى يتقبل ويؤيد دعوة الاستاذ عبد الرحمن الشرقاوى للحزب الوطنى الديمقراطى للمشاركة فى الجبهة ويأمل فى أن يكون اشتراك هذا الحزب فيها -اذا حدث- بداية مرحلة جديدة من التعاون الوطنى والوحدة الوطنية، ومن التوجه الجاد الفعال لمواجهة كل مشكلات البلاد، وهو يدرك كما قال الاستاذ عبد الرحمن الشرقاوى "أن الدعوة الى الجبهة لا تنفى وجود الخلاف لهذا الحزب، فلماذا يعجز هذا الحزب، كما يعجز اليسار المغامر عادة، عن الارتفاع الى مستوى المسئولية الوطنية (الموقف الوطنى.
انهم يعجزون عن ذلك لانهم مصابون بالجمود الفكرى، وعدم القدرة على رؤية الواقع رؤية صحيحة وعلى التفاعل معه يعجزون عن ذلك بسبب عزلتهم عن الجماهير وميلهم الى الانفصال عنها والتصرف بمفردهم "بالنيابة عنها".
وهم يعجزون عن ذلك بسبب حبهم للمزايدات الثورية (الظهور دائما بانهم أكثر ثورية من الآخرين).
وأخيراً فهم يعجزون عن ذلك لانهم شديدو الحساسية والتأثير بمواقف وآراء بعض الاطراف الخارجية -فى العالم العربى- التى تراهن على خراب مصر، وانهيار الأوضاع فيها.

7. الجبهة طريق المستقبل

وكما يقول عبد الرحمن الشرقاوى، فإن الذى نعانى منه يبدو ضخما من هموم تجثم على الصدور فمصر تجتاز مرحلة من أصعب المراحل فى تاريخها، وهى مواجهة بالعديد من المشكلات الصعبة المعقدة والمتشابكة على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (الثقافية.
هناك أولا: القضية الوطنية وهى قضية صعبة ودائمة، هى قضية الحفاظ على استقلالنا الوطنى السياسى والاقتصادى، والثقافى العسكرى، فى مواجهة الضغوط والمؤثرات بالغة الخطر والتأثير.
ووراء القضية الوطنية المصرية، هناك دائما القضية القومية العربية، التى لا تملك مصر أن تتحلل منها أو تغض الطرف عنها.. وهى قضية تحرر الأمة العربية، وتقدمها، ووحدتها.
وفى مركز الدائرة من هذه القضية تكمن مسألة ضرورة مواجهة العدوان الإسرائيلى الصهيونى الامبريالى، وفرض حق تقرير المصير للشعب العربى الفلسطينى، وتحرير كافة الأراضى العربية التى تحلتها استرائيل، على الأقل منذ عام 1967 وما بعدها.
ولا شك أن استعاده مصر لدورها ومكانتها فى انظمة القمة العربية وتحقيق قدر كاف ومتزايد من التضامن العربى، انما يمثل الحلقة الرئيسية فى هذا الاتجاه.
ولا شك ايضا فى أن تطويق، ثم انهاء اتجاه الحل المنفرد الذى يتمثل فى اتفاقية كامب ديفيد انما يعتبر خطوة جديدة فى هذا السبيل، كما أن توفير المعطيات الواقعية لهذه الخطوة -وهو واجب العرب جميعا، انما هو الطريق الحقيقى لتحقيق ذلك.
ان حرية مصر وضمان استقلالها وتأكيد عدم انحيازها وايجابية دورها العربى، ليست ترفا أو مجرد كبرياء وانما هى شروط ضرورية لتحقيق تقدمها، ولتوفير الحلول السليمة لمشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وهناك ثانيا: القضية الديمقراطية قضية استكمال البناء الديمقراطى لمصر، واطلاق الحريات الديمقراطية العامة، وتوفير الضمانات الكاملة لحماية حقوق الإنسان وتوفير الضمانات الكاملة لحمايتها والغاء كافة القوانين والأوضاع المنافية للديمقراطية والمقيدة للحريات.
وهناك ثالثا: القضية الاقتصادية البالغة الصعوبة والتعقيد وهى تقتضى أول ما تقتضى وقف النزيف الخطير الناتج عن سياسة الانفتاح الاستهلاكى، وإيجاد الحلول العاجلة لمأساة الديون الاجنبية وتحقيق التوازن فى الميزان التجارى، وفى ميزان المدفوعات (الموازنة العامة، كما تقتضى سرعة العمل على تحقيق معدلات كافية للنمو الاقتصادى وللنهوض بالصناعة والزراعة، وإعادة تنظيم التجارة الداخلية والخارجية بما يحمى المواطنين من الأستغلال والنشاط الطفيلى، وهى تقتضى سرعة العمل على إزالة الاختناقات الاقتصادية وحل المشاكل العاجلة للجماهير والسير قدما وبصورة فعالة فى طريق رفع مستويات المعيشة للجماهير وخاصة للطبقات) الفئات الكادحه.
وهناك رابعا: القضية الاجتماعية الرئيسية وهى قضية تحقيق العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق بين الطبقات والسير بصورة فعالة فى طريق إقامة مجتمع اشتراكى إنسانى متكافل.
ثم هناك القضايا الاجتماعية الجزئية العديدة والمعقدة مثل ضرورة حل مشكلات المرأة والأسرة والطفولة والشباب والمسنين.
وهناك خامسا: القضية المزمنة الأليمة، وهى قضية الأمية التى يعيش فى اسرها أكثر من 70% من أبناء شعبنا والتى تعتبر وصمة فى جبين مصر مما يقتضى وضع البرامج (المشروعات القومية لحلها فى أقصر وقت مستطاع).
وهناك سادسا: مشكلات التعليم وضرورة النهوض به مما ما يحقق لمصر نظاما فعالا للتعليم الحقيقى المثمر.
وهناك سابعا: المشكلات الصحية وضرورة العمل على الارتفاع بمستوى الخدمات الصحية وضرورة العمل على الارتفاع بمستوى الخدمات الصحية والطبية الى الحد اللائق مع ضمان وصول هذه الخدمات الى كل مواطن اما بالمجان أو بأقل التكاليف.
وهناك ثامنا: مشكلات المرافق، والمياه، والكهرباء، والصرف الصحى، ومشكلات الخدمات، كالمواصلات والإسكان والأسعار وكلها مشكلات صعبة ومزمنة ومعقدة وهى تقتضى جهود الجبابرة لحلها.
وهناك تاسعا: المشكلة الثقافية وضرورة العمل على الارتفاع بمستوى العمل الثقافى فى بلادنا بما يليق بمكانة مصر وبتاريخها وعلى توفير الخدمات الثقافية الكافية واللائقة للجماهير فى الريف والحضر.
وهناك عاشرا: وأخيراً وليس آخرا قضايا البيئة وضرورة حمايتها، ووقاية المواطنين من أخطار التلوث، والقذارة والزحام، والضوضاء.

8- برنامج عام للعمل الوطنى

كانت تلك هى مجرد عناوين فقط للقضايا والمشكلات الأساسية التى يواجهها شعبنا ولو ذهبنا الى التفاصيل لكانت أمامنا المئات من المشكلات والمهام التى تتطلب الحل العاجل.
واذا أردنا حل هذه المشكلات بصورة علمية ومنظمة لكان علينا أن نتوصل الى وضع برنامج عام موحد للعمل الوطنى يكون بمثابة دستور أساسى لهذا العمل فى مختلف المجالات على أن تستند اليه وتسترشد به كل برامجنا التفصيلية وخططنا التنفيذية وأن تتجه لتحقيقه كل تشريعاتنا وتنظيماتنا السياسية والتنفيذية.
ومن الواضح أن مشكلاتنا من الصعوبة والكثافة بحيث لا يمكن حلها الا على المدى الطويل، ومن خلال عملية تخطيط علمى دقيق ومعقد، ولهذا فأنه ينبغى أن يكون البرنامج الوطنى العام صالحا للتطبيق خلال فترة طويلة من الزمن، ونحن نقدر هذه الفترة بعشرين عاما على الأقل وهى الفترة الكافية لحل المشكلات الرئيسية التى نواجهها الآن، ولاحداث تغيير جذرى حاسم فى الواقع السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى لبلادنا بما يحقق نهضة حاسمة فى مختلف نواحى حياتنا، وبما يوفر قاعدة مادية ومعنوية راسخة لتطورها المستقل فى المستقبل.

9- الجبهة الوطنية ضرورة حتمية

هذا البرنامج العام للعمل الوطنى من الذى يستطيع أن يضعه على أحسن وجه ومن الذى يستطيع أن ينهض باعباء تنفيذه ويسهر على استمرارية هذا التنفيذ على مدى الفترة الطويلة التى يقتضيها هذا التنفيذ.
أن أى حكومة أو أى حزب بالغا ما بلغت قدراتها لا يستطيعان وحدهما أم ينهضا بهذه الاعباء.
فمن ناحية التخطيط لاشك أن أفضل الحلول لمشاكلنا هو ما يمكن أن نتوصل اليه معا، وأن نتفق عليه جميعا أو على الأقل هو ما يمكن أن نتفق عليه الاغلبية الساحقة من القوى الوطنية ومن المواطنين ومن أجل ذلك فأن علينا أن نبحث عن الأرضية المشتركة التى يمكن أن نقف عليها معا فى مختلف القضايا.
ومن ناحية التنفيذ، فلا شك أن تضافر كل القوى أو اغلبيتها الساحقة ومن ثم تضافر الأغلبية الساحقة من المواطنين فى تنفيذ أى سياسة أو أى قانون أو أى قرار إنما هو الضمان الأمثل لجدية وكفاية وسلامة هذا التنفيذ، وهو ما يضمن لعملنا الوطنى اقصى قدر ممكن من النجاح.
المشاركة فى التخطيط والتعاون فى التنفيذ وحصول ذلك كله فى ظل الأخاء وروح الوحدة، تلك هى ضمانات النجاح لعملنا الوطنى.
ولا يتسنى تحقيق هذه المشاركة على نحو فعال ومستمر الا من خلال إطار سياسى وتنظيمى واضح ومحدد لهذه المشاركة، وليس من شك فى أن أفضل إطار لذلك إنما هو الجبهة الوطنية المشتركة التى كان للاستاذ الشرقاوى فضل الماطلبة بإقامتها.

10- طبيعة هذه الجبهة

فى رأينا أن العامل الأساسى فى تحديد طبيعة أى جبهة انما هو برنامجها والمهام المنوطة بها ذلك أن هذا البرنامج وتلك المهام بدورهما سوف يحددان القوى التى تقف مع هذه الجبهة، والقوى التى ستقف ضدها.
والمهام المطروحة على الجبهة التى يقترحها الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوى والتى يؤيدها اليسار الوطنى هى مهام وطنية وديمقراطية وتقدمية وكل من يقبل برنامج هذه الجبهة، ويقبل الانضمام اليها انما يقبل بالضرورة أن يقف فى صف القوى الوطنية الديمقراطية التقديمة وسوف يصدر المستقبل حكمه على كل القوى والعناصر التى انضمت الى الجبهة، من منها سوف يستمر فى العمل باخلاص تحت لواء الجبهة ومن أجل تحقيق برنامجها، ومن الذى سوف ينكص على اعقابه أو يسقط من الصف اثناء المسيرة الطويلة.
ونقول هنا كما قال عبد الرحمن الشرقاوى شرحا لطبيعة الجبهة وطبيعة العمل الجبهوى من أن الدعوة الى الجبهة والأنضمام اليها وحتى العمل داخلها لا ينفى وجود الخلافات كل ما فى الأمر أن اطراف هذه الجبهة يلتزمون معا بما هو متفق عليه، كما يلتزمون بمعالجة الخلافات التى تنشأ بينهم من خلال الحوار والوسائل الديمقراطية وبروح الرغبة المشتركة فى الوصول الى حل مشترك.

11- اللجنة التحضرية للجبهة

واليسار الوطنى يؤيد ما اقترحه الأستاذ الشرقاوى من تشكيل لجنة تحضيرية من ممثلى القوى والأحزاب التى تقبل الانضمام الى هذه الجبهة، ومن بعض الشخصيات الوطنية المستقلة ذات الوزن والفاعلية والمقدرة على العمل الجبهوى ولتبدأ هذه اللجنة عملها فى وضع مشروع للبرنامج الأساسى للجبهة وفى وضع مشروع آخر لاستكمال البناء التنظيمى لها، على أن يكون هذان المشروعان بعد ذلك موضوعا لحوار واسع يسبق الاقرار النهائى لهما، والتشكيل الكامل لبناء الجبهة.
* * *
وليكن اقتراح عبد الرحمن الشرقاوى باقامة الجبهة الوطنية والجهد المخلص والصادق الذى قدمه فى هذا الصدد بداية حقيقية لميلاد جبهة وطنية مصرية شامخة وليكن قيام هذه الجبهة بداية مرحلة مشرقة فى تاريخ العمل الوطنى من أجل مصر.