‏إظهار الرسائل ذات التسميات 4. الرسالة الرابعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات 4. الرسالة الرابعة. إظهار كافة الرسائل

الرسالة الرابعــــة

القضايا الأساسية للعمل الوطنى 
نص الكتاب الذى أصدره الأستاذ محمود توفيق فى مارس سنة 1982 -فى بداية حكم الرئيس حسنى مبارك- ونشرت على حلقات فى جريدة الأخبار فى مارس 1982.
ثم بعد ذلك فى كتاب مستقل.

1- نحو تحديد أهداف العمل الوطنى

لدينا جميعا -نحن المصريين- احساس قوى بأن بلادنا تستقبل مرحلة جديدة من مراحل تاريخها الحديث، مرحلة تتسم بمزيد من وضوح الرؤية، والاستعداد للعمل الجاد المكثف لحل مشكلات البلاد، ولبناء حاضرها ومستقبلها على أسس واضحة قوية، ولدينا جميعا -نحن المصريين- شعور عام بالتفاؤل والثقة فى المستقبل، ويستطيع المرء أن يلمس هذا الاحساس لدى الغالبية العظمى من المواطنين، ابتداء من كتابنا ومفكرينا، وانتهاء برجل الشارع العادى.
ولاشك أن ما أعلن عنه الرئيس حسنى مبارك من اتجاهات، وما اتخذه من خطوات منذ بداية عهده -رغم قصر المدة وصعوبات الموقف -كان له أثره الكبير والمباشر فى بعث هذا الشعور بالثقة والتفاؤل، والأمر هنا لا يتصل بمدى تقييمنا لما تم اتخاذه من خطوات أو حتى لما جرى الاعلان عنه من اتجاهات، بقدر ما يتصل بمدى ادراكنا لدلالة هذه الخطوات وتلك الاتجاهات، وما تنبئ عنه من تطورات فى المستقبل، فما كان لشعبنا بذكائه المعروف وحساسيته المرهفة وخبرته الطويلة بالقادة والحكام، الا أن يقرأ ما بين السطور، وأن يلتقط على الفور ملامح الصدق والاستقامة والجدية والانصاف التى بشر بها العهد الجديد، والتى تشكل الاطار الأخلاقى لسياسة الرئيس مبارك، ولمنهجة فى الحكم وفى الحياة، ومن شأن هذا كله أن يبعث لدى المصريين احساسهم الحالى بالتفاؤل، وبالثقة فى المستقبل.
* * *
غير ان الأمر لا يقتصر على ثقة المصريين برئيسهم الجديد، وعلى املهم فيه، بل أن هناك العديد من الأسباب والعوامل الأخرى فى الوضع المصرى الراهن، مما يتشكل اساسا موضوعيا كافيا لهذا الاحساس الوطنى العام، بضرورة، وبامكان، بدء مرحلة جديدة من تاريخنا الحديث، واقامة حياة جديدة على أرضنا.
* * *
هنالك أولا، هذا الاحساس العام الواقعى بحقيقة أوضاعنا، وبمدى تعد وتفاقم الصعوبات والمشكلات التى تواجهها البلاد فى مختلف نواحى حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما أصبح يمثل تهديدا خطيرا لمدى قدرتنا على الاستمرار، وعلى الحياة، لقد طلب الرئيس مبارك فتح باب الحوار الوطنى حول سبعة من أخطر وأضخم مشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية، ولكن هناك غيرها العديد والعديد من المشكلات الأخرى، الصعبة والخطيرة، فى مختلف نواحى حياتنا، ولا نظن أننا فى حاجة الى ضرب الأمثلة.
ان لدينا جميعا الاحساس والوعى بأن هذه المشكلات، فى تعددها، وفى تفاقهما، وفى تداخلها، قد بلغت حدا لا تجدى معه الحلول الجزئية أو الشكلية أو السطحية، وبأنه لابد لمواجهتها من حلول جذرية حاسمة وجريئة تعالج الأسس وتصحح المسار، وهو ما يعنى حركة شاملة للتصحيح واعادة البناء، تقوم على انبعاث وطنى جديد.
ان الأمور لم تعد تعنى حكومة بعينها أو حزبا بعينه فحسب، ولكنها باتت تعنى بصورة مباشرة كل القوى الوطنية، وكل الأحزاب والاتجاهات، بل كل مواطن على أرض مصر، وقد أشار الرئيس حسنى مبارك الى هذا المعنى وأكده عدة مرات، ولعل احساسنا العام المتزايد بهذه الحقائق، يكون البداية الصحيحة للمرحلة الجديدة من مراحل العمل الوطنى.
* * *
وهنالك ثانيا، هذا الاحساس العام بأن مصر قد تجاوزت مرحلة التجارب، وبأن هذه التجارب جميعا قد كشفت عن نتائجها العملية، وعن الدروس المستفادة منها.
لقد مرت مصر فى المراحل السابقة والمتعاقبة من تاريخها الحديث، سواء قبل ثورة يوليو أو بعدها، وسواء فى عهد الرئيس عبد الناصر أو فى عهد الرئيس السادات، بالعديد من التجارب والسياسات فى كل أوجه العمل الوطنى، وبالنسبة لكل القضايا تقريبا، جربت مصر أكثر من سياسة، وسارت فى أكثر من اتجاه، ويمكن القول بأننا قد جربنا البدائل المتناقضة فى مختلف المراحل، وفى مختلف المجالات.
ورغم أننا لسنا من أنصار فكرة "التجربة والخطأ" من حيث المبدأ، فأننا نعتقد أنه اذا كان لبعض التجارب التى مررنا بها ما كان يبررها، فان الكثير منها لم تكن له ضرورة على الاطلاق، بل كان منذ البداية واضح الخطأ، لأنه كان متعارضا مع معطيات العلم ومعطيات الواقع، ومع الخبرة التاريخية.
لقد جربت مصر فى حياتها الداخلية الديموقراطية النسبية والحريات النسبية، كما جربت الاستبداد، والحكم العسكرى، والبوليس، والواجهات الديموقراطية الزائفة، جربت تعدد الأحزاب، والغاء الأحزاب، ونظام الحزب الواحد، ونظام الأحزاب المحدودة المقيدة، جربت الحكم الدستورى، والحكم بلا دستور، والحكم بدساتير مؤقته أو مفروضة أو منقوصة، جربت حرية الصحافة، وتقييد الصحافة بقيود ادارية أو برقابة ظاهرة أو مستترة.
وقد جربت مصر فى حياتها الاقتصادية سياسات واتجاهات عديدة ومتناقضة، جربت الاقطاع وحرية رأس المال، وحرية العمل لرأس المال الأجنبى، وحرية التجارة الداخلية والخارجية بلا قيود، كما جربت تحديد الملكية الزرايعة، وتحديد علاقة مالك الأرض والمستأجر، ومالك المكسن وساكنه، وسياسة التأميم، وتقييد حركة رأس المال، ورأسمالية الدولة، نوعا من التطبيق الاشتراكى، وبناء قطاع عام يعتمد عليه، وسياسة التخطيط والتوجيه الاقتصادى والسيطرة على التجارة الخارجية وقسما من التجارة الداخلية.. إلخ، ثم عادت فجربت سياسة الانتاج الاقتصادى، وفتحت المجال أمام أس المال الأجنبى، وأمام القطاع الخاص، وقللت من دور الدولة ومن تدخلها فى الحياة الاقتصادية الى أدنى درجة مستطاعة.. إلخ.
وفى السياسة الخارجية، جربت مصر سياسة عدم الانحياز، وسياسة التقارب مع الغرب، وسياسة الارتباط بالغرب، وسياسة التقارب مع الشرق.
وفى العلاقة مع العرب، جربت مصر العمل باستقلال تام عن العرب، أو الاهتمام المحدود بالعرب، وجربت الحماس الشديد للوحدة العربية، والانغماس الشديد فى مشكلات العالم العربى، كما جربت القطيعة التامة أو شبة التامة مع العرب، والعزلة الكاملة أو شبة الكاملة عنهم.
وهكذا، ففى كل مجال تعددت وتناقضت التجارب، وليس فى مقدور مصر أن تستمر على هذا المنوال، فمثل هذا التذبذب والتناقض والارتباك، لا يمكن أن يسمح لأى عمل بأن يثمر، ولا لأى بناء بأن يكتمل، ولابد أن تكون نتائجه مزيدا من التبديد لجهودنا، والتفاقم لمشكلاتنا.
وعلى أى حال، فقد اسفرت كل هذه التجارب عن نتائجها العملية، ولم يعد أمر الاختيار بين اتجاه أو آخر، فى أى مجال من المجالات، يعتمد على وجهات النظر الفكرية أو الايديولوجية، بقدر ما يعتمد على استعراض الحقائق الواقعية والنتائج العملية لهذه التجارب.
لقد آن الأوان لمصر أن تنتقل نهائيا من مرحلة التجارب، الى مرحلة الاختيار العلمى الواعى لاتجاهات عملها فى كل الميادين، وهناك احساس عام بأن هذا الأمر ممكن وميسور، ولكن بشرط الالتزام بالموضوعية وحسن النية.
ولعل هذا هو السبب فيما طلبة الرئيس حسنى مبارك فى اجتماعه الأول بمجلس الوزراء بعد اعادة تشكيلة "بأن نحدد مسارنا ونرسم خطانا على أساس عملى -فالخطوة الأولى هى الاتفاق على أهداف قومية عليا لا خلاف عليها، ويلى ذلك تحديد الأولويات، ثم وضع الخطط الكفيلة بتحقيق الأهداف".
ولعل ذلك أيضا هو السبب فى دعوته لعقد المؤتمر الاقتصادى الموسع لبحث الأوضاع الاقتصادية واقتراح السياسات المثلى للنهوض بها، ثم دعوته بعد ذلك لعقد مؤتمر مماثل لبحث مشكلة الاسكان، ثم لحديثه بعد ذلك عن الأعداد لوضع خطة خمسية جديدة للبناء الاقتصادى والاجتماعى، بعد سنوات طويلة من انقطاع أى حديث عن الخطط والتخطيط.
* * * 
وهنالك ثالثا، هذا الاحساس المتزايد لدى مختلف القوى الوطنية بضرورة البعد عن التطرف فى الرأى أو فى الممارسات العملية، والاتجاه بدلا من ذلك الى مزيد من الالتزام بالاعتدال والموضوعية، ولعل ذلك أن يكون أهم درس من الدروس المستفادة من تجاربنا العديدة الماضية.
هنالك أحساس عام متزايد، بأن أفضل الحلول لمشاكلنا، هو ما يمكن أن نتفق عليه جميعا، أو على الأقل هو ما يمكن أن تتفق عليه الأغلبية الساحقة من القوى الوطنية، ومن المواطنين، ومن أجل ذلك يتعين علينا دائما أن نبحث عن الأرضية المشتركة التى يمكن أن نقف عليها معا.
وهذا الاحساس، يمثل تغييرا صحيا شديد الأهمية فى المناخ السياسى لبلادنا، وعلينا جميعا أن نعمل على رعايته وتنميته.
والواقع أنه لا يوجد رأى واحد صحيح بكل حذافيره وتفاصيلة، أو خاطئ بكل حذافيره وتفاصيلة، ويكفى لصاحب الرأى أن يعتقد أن رأيه صحيح بصفة عامة، أو أنه يحتوى على قدر كاف من الصحة، كذلك فأنه لا توجد نظرية أو مذهب سياسى أو اجتماعى جامع مانع، بمعنى أنه يحتوى وحده على الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شئ غير الحقيقة، أو على الباطل، كل الباطل، ولا شئ غير الباطل، فالحياة بكل غناها وتنوعها وتطورها وتعقيدها، لا يمكن اخضاعها أو صبها فى اطار فكرى أو مذهبى أيا كان، ومن ثم فانه لا يوجد فرد أو جماعة من الأفراد يمكنه أو يمكنهم ان يحتكروا الحكمة والصواب فى كل شئ، وفى كل وقت، بينما يعمه باقى الناس دائما وأبدا فى الضلال.
ان الايمان المتزايد بهذه الحقائق البسيطة والجوهرية، من شأنه أن يحدونا جميعا -على اختلاف مواقعنا الفكرية- الى مزيد من الاعتدال، والموضوعية، والتواضع، وهو ما يساعدنا جميعا على الحياة فى مناخ سياسى أكثر صحة ونقاء، وهو شرط ضرورى للتوصل الى أفضل الحلول لمشاكلنا، وللتعاون الخلاق فى تطبيق هذه الحلول، وذلك أيضا هو طريقنا الى الحياة الديموقراطية الصحيحة، والى الوحدة الوطنية الحقة، وعلينا جميعا أن ندرك أن كل تطرف فى الرأى أو فى الممارسة، لابد أن يثير تطرفا أو تطرفات مضادة، وبهذا تتشتت الجهود، وتتبدد وحدة الشعب.
وليست هذه دعوة لأن يتنازل أى منا عن آرائه ووجهات نظره، بل على العكس، فان تعدد الآراء ووجهات النظر أمر لا غنى عنه لاثراء العمل الوطنى، والممارسة الديموقراطية، وهو الطريق الى تحقيق الوحدة الوطنية على مستوى أعمق وأرقى، فكل شئ ينبغى أن يكون قابلا للنقاش والبحث على ضوء كل وجهات النظر، ولكن هذا النقاش ينبغى أن يجرى بروح البحث عن الاتفاق.
وحتى لا نتحول الى حالمين، فعلينا أن ندرك أن كل ذلك انما ييستلزم من كل الأطراف قدرا كبيرا من الموضوعية، وحسن النية، والتجرد من المصلحة الذاتية، وليس من السهل أن يتوافر كل ذلك لدى كل الناس، فسوف يوجد دائما من يغلبون آرائهم الشخصية، أو مصالحهم الذاتية، على المصلحة العامة، وعلى مقتضيات الوحدة الوطنية، ومثل هؤلاء تتعين مواجهتهم برأى الشعب، أو بقوة القانون.
* * *
هناك اذن معطيات عديدة فى الوضع المصرى الراهن، تدعو الى التفاؤل والثقة بالمستقبل، رغم كل المصاعب، ورغم كل المشكلات، وهناك ما يبرر احساسنا العام بأن بلادنا مقبلة على مرحلة جديدة من مراحل تاريخها الحديث، مرحلة يسود فيها مناخ سياسى صحى، واحساس متزايد بضرورات الوحدة الوطنية، مرحلة من العمل الجماعى الجاد المنظم، والطويل المدى لحل مشكلات البلاد، وارساء القواعد السليمة لمستقبل أفضل.
وافضل ما يمكن البدء به فى هذا السبيل هو ما طالب به الرئيس حسنى مبارك من "تحديد مسارنا ورسم خطانا على اساس علمى"، والاتفاق على أهداف قومية عليا لا خلاف عليها.. إلخ".
وبكلمات أخرى، فان الظروف مواتيه الآن لوضع برنامج عام موحد للعمل الوطنى، يكون بمثابة دستور أساسى لهذا العمل فى مختلف المجالات، وعلى أساس هذا البرنامج العام للعمل الوطنى نستطيع أن نضع الخطط والبرامج التفصيلية لعملنا فى مختلف المجالات.
* * *
والبرنامج المطلوب هو "برنامج سياسى"، لأنه يقوم على تجدد الأهداف العامة للعمل الوطنى فى مختلف مجالات العمل السياسى والاقتصادى والاجتماعى، وعلى تحديد الخيارات الأساسية للاتجاه السياسى الذى نسلكه فى عملنا من أجل تحقيق هذه الأهداف، وهذا البرنامج العام، ذو الطبيعة السياسية، سيكون بمثابة دستور أساسى نستند اليه وتسترشد به كل برامجنا وخططنا التفصيلية، وتعمل لتحقيقة كل تشريعاتنا وقوانيننا وتنظيماتنا السياسية والتنفيذية.
وينبغى أن يكون هذا البرنامج الوطنى العام صالحا للتطبيق خلال فترة طويلة من الزمن، نقدرها بعشرين عاما على لاأقل، وهى الفترة الكافية لحل المشكلات الرئيسية الكبيرة التى نواجهها الآن، والأحداث تغيير جذرى حاسم فى الواقع السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى فى بلادنا، بما يحقق نهضة حاسمة فى كل نواحى حياتنا، وبما يوفر قاعدة مادية ومعنوية راسخة لتطورها المستقل فى المستقبل.
وهذا البرنامج لابد أن يقوم على ادراك كامل للمعطيات والحقائق الأساسية لواقعنا المصرى، وللواقع العربى، وللواقع العالمى المعاصر، كما لابد أن يقوم على استخلاص موضوعى ونزية لدروس تجاربنا المختلفة فى المراحل السابقة، وعلى الاستفادة من مختلف التجارب والخبرات ووجهات النظر المتوفرة لشعبنا، بحيث يمثل الأرضية المشتركة، التى يمكن ان نلتقى عليها جميعا، ونعمل من خلالها جميعا، وبهذا نضمن لعملنا أهم شروط نجاحه، وهى المشاركة الشعبية الواسعة فى مختلف مراحل تخطيطه وتنفيذه، وبهذا أيضا نوفر الأطار الموضوعى لوحدتنا الوطنية، وللسلام الاجتماعى فى بلادنا.
* * *
والبرنامج العام المطلوب ينبغى أن يمثل فى تحديدة ثم فى تنفيذه، انجازا تاريخيا، فهذا البرنامج ينبغى أن يضمن تحقيق الأهداف الرئيسية التى ناضل شعبنا من أجلها خلال تاريخة الحديث كله، والتى حالت ظروف هذا النضال المحلية والعالمية دون انجازها انجازا كاملا حتى الآن.
ان القضايا والأهداف الأساسية لنضال شعبنا طوال تاريخه الحديث هى أهداف وقضايا واضحه ومعروفة لا تحتمل اللبس أو الجدال.
فخلال تاريخنا الحديث كله، خاض شعبنا ويخوض نضالا لا هوادة فيه من أجل التحرر الوطنى، من أجل نيل استقلاله الوطنى تاره، ومن أجل استرداد هذا الاستقلال تارة أخرى، ومن أجل صيانته والحفاظ عليه تارة ثالثة.
وخلال تاريخنا الحديث كله، وشعبنا يناضل للخلاص من الاستبداد والحكم المطلق، ومن أجل حكم ديموقراطى، وحياة حرة على أرضه.
وخلال تاريخنا الحديث كله، وشعبنا يناضل للخروج من دائرة التخلف الذى فرضته عليه العصور الوسطى، وعهود الاستعمار والتبعية والاستبداد، ولتحقيق التقدم السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى، بما يلحقه بركب العصر، وبما يفتح أمامه طريق التطور فى المستقبل.
وخلال تاريخنا الحديث كله، ناضل شعبنا ويناضل للخلاص من الظلم الاجتماعى والاستغلال الاقتصادى الذى فرضته عليه الاستعمار والاستغلال والاستبداد، ولاقامة عدالة اجتماعية تكفل الحياة الكريمة لكل انسان على أرض مصر.
تلك هى القضايا الأربعة لنضال شعبنا على امتداد تاريخه الحديث، والتى بذلت من أجلها أجيالنا المتعاقبة الجهد والدم والأرواح، وتلك هى الأهداف التى ناضل من أجلها عمر مكرم، وقامت من أجلها الثورة العرابي، والتى ناضل فى سبيلها مصطفى كامل ومحمد فريد، وقامت من أجلها ثورة 19 وثورة يوليو الخالدتان، وخلال هذه النضالات جميعا أحرز شعبنا العديد من النتصارات، ومنى بالعديد من الهزائم وخيبات الأمل، ذلك أن قوى الاستعمار والاستبداد والاستغلال المحلية والعالمية قد بذلت دائما كل ما فى وسعها لاجهاض هذا النضال وللحيلولة دون انتصاره الكامل.
وفى مجرى النضال المتواصل حقق شعبنا الكثير من المكاسب، ولكن الانجاز الكامل والنهائى لأهدافنا التاريخية لم يتحقق حتى الآن، وبقيت مهمة هذا الانجاز الكامل والنهائى لهذه الأهداف التاريخية، لتقع على عاتق الجيل الحالى من كهول مصر وشبابها، وعلى عاتق هذا الجيل تقع مهمة الانجاز الكامل والنهائى لهذه الأهداف الأربعة فى أقصر وقت مستطاع، وتسليم البلاد لأجيال القادمة فى حالة نوعية أفضل بكثير، وهذا هو المحتوى الموضوعى والتاريخى، لكل عملنا الوطنى فى المرحلة القادمة.
ولاشك أن أمامنا الكثير من العقبات والصعوبات فى طريقنا لتحقيق هذه المهمة التاريخية، وعلينا أن نتوقعها وأن نتأهب لمواجهتها، ولكن لاشك أيضا أن لدينا الكثير من معطيات وعناصر النجاح فى هذا النضال التاريخى، وأننا لا نبدأ نضالنا من فراغ.
لدينا كل الانجازات وثمار الجهود والنضالات السابقة التى خضناها وخاضها أباؤنا وأجدادنا من قبل، ولدينا الكثير من خبرة ودروس التجارب السابقة، ولدينا روح جديدة ووعى جديد بدروس ماضينا وواقع حاضرنا وآمال مستقبلنا، ولدينا شعب مناضل خلاق لا يبخل بجهد ولا يضن بتضحية.
واخيرا وليس آخرا، فلدينا قائد جديد نذر نفسه فى مستهل عهده لخدمة وطمنه وشعبه، واستطاع بصدقه واخلاصه ونزاهته أن يؤلف القلوب وان يبعث الأمل والثقة فى المستقبل.
* * *

2- قضية التحرر الوطنى فى وضعها الراهن

أولى القضايا الأساسية للعمل الوطنى فى بلادنا فى هذه المرحلة، هى قضية التحرر الوطنى.
وقضية التحرر الوطنى ليست قضية الكرامة والكبرياء الوطنى فحسب، ولكنها قضية حياة ومصير ومستقبل بالنسبة لشعبنا، ولأى شعب، فهذا التحرر الوطنى هو الشرط الاول للحفاظ على الأرض، ولتحرير الادارة، وللعمل المثمر البناء من أجل بناء الحاضر والمستقبل.
وقضية التحرر الوطنى فى وضعها الراهن -وخاصة بعد اتمام تحرير سيناء من الاحتلال الاسرائيلى- سوف تتمثل فى مهمة الحفاظ على استقلالنا الكامل وحمايته من أى قيد أو مساس، وهذه مهمة دائمة، كما أنها مهمة صعبة، فمنطقتنا تعانى من الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية الدائمة والحادة، والتى تحركها عوامل محلية ودولية كثيرة ومتشابكة، والعالم من حولنا يعانى من الانقسامات والصراعات الحادة بين العسكريين الرئيسيين، وداخل كل معسكر على حدة، وتشتد وطأة التكتلات السياسية والاقتصادية والعسكرية الدولية على أعداء هذه التكتلات وعلى أعضائها على السوء، كما يشتد خطرها وتهديدها لسلام واستقرار العالم كله، وفى مثل هذه الظروف والأوضاع المحلية والدولية، فأن الحفاظ على استقلالنا الوطنى الكامل يغدو مهمة صعبة، ويستدعى تحقيقها أقصى درجات العزم، وأعلى درجات اليقظة والحذر.
لقد أضحى مفهوم الاستقلال الوطنى الآن أكثر عمقا وشمولا مما كان عليه الأمر فى الماضى، أذ لم يعد يعنى مجرد الاستقلال السياسى فحسب، بل أصبح يعنى بنفس الدرجة الاستقلال الاقتصادى، والاستقلال العسكرى الكاملين، كما أنه أصبح يقتضى درجة عالية من الاستقلال الفكرى والثقافى، لذلك فأنه يتحتم علينا ونحن نضع البرنامج العام والبرامج التفصيلية لعملنا الوطنى فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية ، أن نضع مقتضيات استقلالنا الوطنى -بمفهومة الشامل- فى المحل الأول من اعتبارنا، وبهذا فأن مهمة الحفاظ على الاستقلال الوطنى الكامل، سوف تفرض نفسها على مجمل الاتجاهات الأساسية لسياستنا الداخلية والخارجية.
وقضية الاستقلال الوطنى تتصل بالعديد من القضايا الأخرى على المستويين الأقليمى والدولى.
فهى تتصل أولا بوضع مصر العربى، وتقتضى تحديد مواقف واضحة وسياسات ثابته فى علاقاتها العربية.
أن مصر المستقلة، والمحافظة على استقلالها، هى فى نفس الوقت جزء لا يتجزأ من أمتها العربية، وانتماء مصر العربى ليس وليدا للحقيقة التاريخية أو الواقع الجغرافى فحسب، ولكنه أيضا وليد الادراك الواعى لمقتضيات الأمن، وللمصالح المشتركة لسائر شعوب الأمة العربية، وهو ضمان أساسى للتقدم السياسى والاقتصادى والثقافى للأمة العربية، وللمنظمة كلها.
ان الوضع الطبيعى بالنسبة لأية أمة تملك من مقومات الوحدة ما تملكه الأمة العربية، هو أ، تحقق فى النهاية وحدتها السياسية والاقتصادية والعسكرية الكاملة، وهذا ما يقتضية التطور التاريخى كما تقتضية المصلحة المشتركة لهذه الأمة فى أرقى وأكمل صورها، وعلى العرب الا يفقدوا أيمانهم بهذا الهدف مهما كانت الصعوبات ومهما طال الوقت.
ولكن الحقائق الواقعة ينبغى أن توضع فى الاعتبار أيضا، فالتفاوت فى مستويات التطور السياسى والاقتصاى والاجتماعى والثقافى بين الشعوب العربية، والاختلاف فى الخصائص الذاتية لكل منها، هى أمور واضحة لا يمكن تجاهلها أو القفز على نتائجها، وكل محاولات أو دعوات الوحدة التى تغاضت عن هذا الواقع أو تجاهلت مقتضياته قد باءت بالفشل.
أن تحقيق الوحدة العربية هو مطلب تاريخى، أى أنه يحتاج الى مزيد من الظروف والأوضاع المحلية والدولية المواتية، وهو ما سوف يستغرق كثيرا من الوقت ويستدعى كثيرا من الجهد.
لذلك فأن الموقف الأكثر واقعية والأكثر جدوى فى تحقيق المصالح المشتركة للعرب فى الأوضاع الراهنة، والأبعد أثرا كذلك فى تقريب أمل الوحدة الكاملة فى المستقبل، هو مضاعفة الجهود لتحقيق التضامن والتقارب والتكامل بين الشعوب العربية جميعا، ولاستكمال تحررها وتطوير حياتها على كافة المستويات.
وعلى مصر، باعتبارها قسما أساسيا وطليعيا من أمتها العربية، يقع العبء الأكبر فى العمل على تحقيق هذا الهدف.
وفى هذا الاتجاه، فأن علينا أن نعمل جهد طاقتنا على تجاوز الوضع المؤسف الراهن، وعلى أزالة العزلة القائمة الآن بين مصر وشقيقاتها العربيات.
غير أن الأمر فى كل ذلك لا يتوقف على موقف مصر وحدها، ولا على جهود المصريين وحدهم، بل أنه يتوقف كذلك على مواقف وجهود سائر الدول والشعوب العربية.
أنه يتوقف الى حد كبير على مواقف وسياسات الدول العربية الأخرى، سواء كان ذلك بالنسبة لتجاوز مرحلة القطيعة القائمة بينها وبين مصر، أو بالنسبة للعمل الجدى الدائب والصبور على تحقيق التضامن والتكامل والتقارب العربى، ولارساء هذا الاتجاه على أسس عملية متينة.
وهو يتوقف فى النهاية على نضال الشعوب العربية كلها، وعلى جهود ومواقف طلائعها الواعية فى كل الاقطار.
وقضية الحفاظ على الاستقلال الوطنى، تتصل اتصالا مباشرا بالقضية الفلسطينية ومن ثم بقضية الصراع العربى الاسرائيلى.
أن اقامة دولة يهودية كحل للمشلكة اليهودية هو خطأ نظرى وتاريخى، اذ لا يمكن أن يكون الحل الصحيح لمشكلة الاضطهاد والتمييز العنصرى والدينى فى العالم المعاصر هو تقسيم الدول أو أقامة دولة جديدة على أسس عنصرية أو طائفية، بل أن هذا الحل الصحيح هو فى النضال المشترك من أجل الديمقراطية والتسامح وتأكيد حقوق الانسان، ولتحقيق التعايش الديمقراطى بين كل العناصر والطوائف داخل الدولة الواحدة.
كذلك فأن أقامة الدولة اليهودية فى فلسطين بالذات، استنادا الى دعوى الحقوق التاريخية لليهود فيها، هو أيضا خطأ نظرى وتاريخى، أذ أننا لو سمحنا بأرجاع التاريخ مئات وآلاف السنين الى الوراء، وعلى أعادة الشعوب والجماعات البشرية الى مواطنها الأولى، لما بقيت دولة واحدة على حالها، ولعمت الفوضى كل أنحاء الأرض، ولما وصلنا مع ذلك الى أيه نتيجة، وسوف يثبت التاريخ على المدى الطويل هذا الخطأ، وأن ما حدث فى فلسطين لن يحل المشكلة اليهودية ولا أية مشكلة أخرى.
ولقد شاركت فى صنع مأساة فلسطين عدة عوامل، فتداخلت فيها السيطرة والأطماع الاستعمارية فى المنطقة، وضعف العرب وتفككهم، وطبيعة الأوضاع والتوازنات العالمية بعد الحرب العالمية الثانية.
ولقد كان مشروع تقسيم فلسطين الى دولة عربية وأخرى يهودية، والذى أقرته الأمم المتحدة عام 1948، بشروطه وحدوده، هو "أفضل الحلول السيئة" كما قيل عنه فى ذلك الوقت، ولكن هذا المشروع لم تتح له فرصة التنفيذ، بل تألبت عليه أطماع التوسع الاسرائيلى، والتواطؤ الاستعمارى، وسوء التقدير والتصرف العربى، وترتيب على وأد هذا المشروع مزيد من ضياع الحقوق العربية، وتفاقم المشكلة الفلسطينية، وتصاعد الصراع العربى الاسرائيلى.
وأيا كانت الاعتبارات النظرية والتاريخية، فأن من مصلحة العرب، ومن مصلحة اليهود، ومن مصلحة السلام والاستقرار فى المنطقة وفى العالم كله، أن يتوصل الجميع الى اقرار حل عملى وسلمى للمشكلة الفلسطينية، وبالتالى للصراع العربى الاسرائيلى.
ويعتبر انسحاب اسرائيل الكامل من الأراضى المصرية، طبقا لاتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية، خطوة تمهيدية ايجابية فى هذا الاتجاه، غير أن هذه الخطوة لا يمكن أن تكون بديلا لحل المشكلة الفلسطينية التى هى جوهر الصراع العربى الاسرائيلى، أو على حساب هذا الحل، كما أنها لا يمكن أن تكون بديلا لايجاد حل شامل ودائم للصراع العربى الاسرائيلى.
وفى رأينا أن الحد الأدنى الذى يمكن أن يقوم عليه حل المشكلة الفلسطينية الآن هو فى انسحاب اسرائيل من غزة والضفة الغربية (بما فيها القدس العربية)، وفى اقامة الدولة العربية الفلسطينية المستقلة عليهما طبقا لمبدأ حق تقرير المصير لعرب فلسطين مع تقرير حق العودة للفلسطينيين الذين يرغبون فى العودة الى بلادهم، ويعتبر الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وتمثيلها للشعب الفلسطينى الخطوة الأولى نحو ذلك، كما أن الحل الدائم للصراع العربى الاسرائيلى يستلزم تنفيذ هذا الحل للمشكلة الفلسطينية، وجلاء اسرائيل عن منطقة الجولان السورية، ووقف تهديداتها وتدخلاتها واعتداءاتها على الأراضى اللبنانية وغيرها من الأراضى العربية، وسوف يتوقف مستقبل السلام فى المنطقة على مدى قبول جميع الأطراف المحلية والدولية لهذا الحل، والتزامهم بمقتضياته.
أن حل المشكلة الفلسطينية، واقامة دولة فلسطين العربية، والتوصل الى حل سلمى عادل ودائم للصراع العربى الاسرائيلى، هى أمور لا تتصل فقط بمشاعرنا العربية أو بتضامننا مع الأشقاء الفلسطينيين والعرب فحسب، ولكنها أمور وثقية الصلة بأمن مصر وسلامتها، وبحماية استقلالها الوطنى.
وقضية استقلال مصر الوطنى تتصل أيضا بدور مصر الطليعى تجاه العالم الاسلامى، وتجاه دول وشعوب قارتنا الافريقية، وهو دور لا يقوم على الرغبة فى التسلط أو التدخل، ولكن على روح التضامن والمساعدة الأخوية السلمية النزيهة، وفى حدود الطاقة العملية، من أجل تحقيق واستكمال حرية وتقدم هذه الشعوب، وهذا الدور الطليعى بما يقتضية من واجبات، أنما تمليه علينا الروابط التاريخية والجغرافية والحضارية القائمة بيننا وبين هذه الدول والشعوب، كما أن له مردوده العملى فى تدعيم أمن مصر واستقلالها الوطنى، وفى تنمية دورها العالمى، وفى خدمة مصالحها السياسية والاقتصادية والثقافية.
وقضية الحفاظ على استقلالنا الوطنى تتصل اتصالا وثيقا ومباشرا بموقف مصر من التكتلات السياسية والاقتصادية والعسكرية القائمة فى عالمنا، ومن الصراعات وعمليات الاستقطاب الحادة الدائرة بينها، وقد اثبتت تجربتنا المباشرة، كما تثبت التجربة العالمية كلها، أن ارتباط بلد صغير أو متوسط مثل مصر، وخاصة اذا كان من بلدان العالم النامى، بأى من هذه المعسكرات والتكتلات، لابد أن يكون على حساب أمنه واستقلاله الوطنى، وعلى حساب مصالحه الوطنية، والأمر لا يقتصر فقط على المخاطر والصعوبات والأضرار التى يتعرض لها مثل هذا البلد من جانب المعسكر المضاد، بل أيضا -وربما بدرجة أكبر- من جانب المعسكر الذى ينضم اليه، فانحيازه الى أى معسكر لابد أن يفرض عليه العديد من القيود السياسية والاقتصادية والعسكرية التى تمليها الاستراتيجية الدولية لهذا المعسكر، وهو ما ينتقص من استقلاله الوطنى، وامنه القومى، ويضر بمصالحه.
لذلك فان الالتزام الدقيق الحازم بمبدأ عدم الانحياز، وبالحياد الايجابى بين المعسكرات الدولية المتصارعة، هو أكثر المواقف سلامة وملائمة لمقتضيات الحفاظ على استقلالنا الوطنى وأمننا، وهو أكثرها تحقيقا لمصالحنا الوطنية وخاصة فى ظروفنا الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وهذا الموقف وحده هو الذى يرتضيه شعبنا، والذى يصون وحدتنا الوطنية، اذ يمكن أن تلتقى عليه كل القوى الوطنية فى بلادنا.
وعلى أساس هذا الموقف، فانه يتعين على مصر ا=أن ترفض دائما الارتباط بأية اتفاقات أو التزامات دولية تمس استقلالها أو تتعارض مع حيادها، أيا كان شكل أو مدى هذه الالتزامات، كما يتعين على مصر أن ترفض السماح لأية قواعد أو قوات أجنبية بالتواجد على أرضها، ولأية دولة بأن يكون لها مركز سياسى أو اقتصادى أو عسكرى خاص فى مصر.
وتمسكنا بمبدأ عدم الانحياز لا يمنع من سعينا المتواصل لإقامة علاقات الصداقة والتعاون مع أية دولة، ومع سائر الدول على اختلاف نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل أنه على العكس، سوف يساعد على تحقيق ذلك.
وتمسك مصر بمبدأ عد الانحياز، لا يعنى عزلتنا عن العالم وما يجرى فيه من أحداث، أو تخلينا عن نصره المبادئ التى نرتضيها للحياة الدولية، أو مناصرتنا لكل قضايا التحرر والعدالة والسلام والتعاون الدولى، فمناصرتنا لكل هذه القضايا، ومشاركتنا فى كل الجهود الدولية التى تبذل فى سبيلها، فضلا عن أنه مسألة مبادئ، سوف يعود بمردوده الايجابى فى خدمة استقلال مصر الوطنى، وتحقيق مصالحها الوطنية.
* * * *

3- حول قضية الديمقراطية فى مصر


القضية الأساسية الثانية من قضايا العمل الوطنى، هى قضية التخلص من بقايا الاستبداد والحكم المطلق الموروثه من عهود الاقطاع والاستعمار والتبعية، وانجاز تحول ديمقراطي شامل وعميق فى كل نواحى حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهى قضية عظيمة الأهمية سواء فى حد ذاتها أو فى ارتباطها الوثيق بمختلف قضايانا الأساسية الآخرى.
ومما يؤسف له، أنه كان هناك دائما فى صفوف حركتنا الوطنية، سواء قبل ثورة يوليو أو بعدها، من لا يؤمنون بأهمية أو بضرورة هذا التحول الديمقراطى، ومنهم من كان مقتنعا بفكرة الدكتاتورية الثورية أو حتى بفكرة المستبد العادل.. إلخ، وفى رأينا ان مثل هذه الأفكار، وما يترتب عليها من نتائج، كان لها مردود سلبى بالنسبة لمجمل نضالنا الوطنى والاجتماعى.
ولعل التجربة قد أثبتت لنا الآن، وبما لا يدع مجالا للخلاف، أن النضال من أجل الديمقراطية هو جزء لا يتجزأ من نضالنا فى سبيل التحرر الوطنى، وفى سبيل التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى، وفى رأينا أن التجربة قد أثبتت أنه لا يمكن الحفاظ على استقلالنا الوطنى، وعلى سلامة ووحدة أراضينا، كما لا يمكن ضمان التقدم الحقيقى فى أى ناحية من نواحى حياتنا، الا من خلال حكم ديموقراطى راسخ، ومناخ ديمقراطى صحى، ومشاركة شعبية كاملة، ومهما كانت كفاءة الحاكم أو درجة اخلاصه أو حسن نواياه، فأن الشعب نفسه هو الأكثر قدره على الدفاع عن الوطن، وعلى البناء والعطاء من أجل الحاضر والمستقبل.
ويكاد لا يوجد عيب أو نقص أو نقطة ضعف فى حياتنا السياسية أو الأقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الأخلاقية، الا ويلعب الفراغ الديمقراطى دورا أساسيا فى وجوده أو فى استمرار بقائه.
ان التحول الديمقراطى المطلوب، لابد أن يكون تحولا شاملا وعميقا، بمعنى أنه لابد أن يمتد الى كافة نواحى حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وربما يكفل اعادة صياغتها بصورة كاملة على أسس ديمقراطية سليمة ونهائية وراسخة، غير أن تحقيق هذا التحول الديمقراطى العميق فى حياتنا السياسية هو حجر الأساس فى البناء الديموقراطى الشامل، فالديموقراطية السياسية هى الحلقة الرئيسية فى سلسلة التحولات الديمقراطية المطلوبة،
ان قضية الديمقراطية السياسية قضية واسعة ومتشعبة، وهى تتصل بالعديد من القضايا والمسائل الهامة، تتصل بنظام الحكم، وبأوضاعنا الدستورية والقانونية والقضائية، وبالحقوق والحريات الديمقراطية السياسية والشخصية، وهى تتصل بالنصوص التشريعية، ولكنها تتصل أيضا، وربما بدرجة أكبر، بالتطبيق والممارسة الديموقراطية، وبالمناخ الديموقراطى العام.
ومصر قد حرمت من الديموقراطية السياسية بصورة فظة وقاسية، سواء على يد الاستعمار والاقطاع والملكية، أو على يد بعض أبنائها قبل وبعد ثورة يوليو سنة 1952، مما عاق تطورها وأجهض الكثير من ثمرات نضالها.
فمنذ سنة 1923، أى منذ نحو ستين عاما، ولدى مصر دستور، ولكن هذا الدستور كان دائما عرضه للايقاف والألغاء والاستبدال، بحيث أن مصر لم تحظ بالحياة الدستورية -ولو بصورة نسبية- الا لفترات قصيرة ومتقطعة، ولدينا منذ عهد طويل مجالس نيابية، ولكننا تعودنا دائما على حل هذه المجالس، كما تعودنا على تقييد سلطاتها، أو على الالتفاف حول هذه السلطات سواء باصدار التشريعات فى غياب المجالس النيابية أو من فوق رؤوسها عن طريق ما يسمى بالاستفتاءات، وكثيرا ما أعطيت السلطة التنفيذية لنفسها حق الاعتراض على حرية المواطنين فى الانتخاب أو الترشيح للمجالس النيابية، المركزية أو المحلية، أو حتى لمجالس النقابات العمالية والمهنية وغيرها من الهيئات، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل لقد عرفنا فى السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة هى ظاهرة اسقاط العضوية عن أعضاء المجالس النيابية الذين انتخبهم الشعب، وبطريقة فظة ولأسباب واهية، ومازلنا جميعا نذكر وقائع وملابسات عمليات اسقاط العضوية هذه، وكيف كانت تترك جراحا دامية فى قلب الديموقراطية المصرية، وتحكم على مجلسنا النيابى، وعلى حياتنا الديموقراطية كلها، بما من شأنه أضعاف، أن لم يكن قتل، الثقة بنزاهتها.
ومع البديات الأولى لحياتنا النيابية، ظهر لدينا "فن جديد" هو فن التأثير على الانتخابات، بل وتزوير نتائجها، حتى أصبح هذا التزوير بمختلف صورة وأشكاله هو الأصل، بينما أصبحت الانتخابات الحرة النزيهة هى الأستثناء الذى لا يقاس عليه، والذى لا يصدقه معظم الناس لفرط ندرته وخروجه على المألوف، فالذى أصبح مألوفا عندنا هو أن تكون نتائج الاستفتاء المعلنة هى 99% أو أكثر، بينما يعلم كل الناس أن الأغلبية الساحقة من المواطنين لم تقبل على تلك الاستفتاءات، ولم تشارك فيها أصلا.
وكل هذه الظواهر السلبية قد أساءت أبلغ الأساءة الى حياتنا الدستورية والنيابية، اذ جعلت منها مسخا شائها، وأفقدت الجماهير الثقة فى جديتها.
ومصر بلد ديموقراطى كما ينص عليه دستورنا، ومع ذلك فأن لدينا من النصوص القانونية والقوانين الأستثنائية السالبة للحقوق والحريات الديموقراطية ما ينوء به كاهل الديموقراطية فى أى بلد من البلاد، ويكفى أن نتذكر قانون الوحدة الوطنية، وقانون الأحزاب، وقانون الصحافة، وقانون العيب، وقانون المدعى الاشتراكى، وقوانين يناير 1977... إلخ، وهى قوانين تصادر كل الحريات، وكل الحقوق الديموقراطية التى تعارفت عليها كل الدول الديموقراطية، والتى نصت عليها المواثيق الدولية ولوائح حقوق الانسان.
وهذه القوانين تقيد حق انشاء الأحزاب، وحق اصدار الصحف الى درجة المصادرة العلمية لهذه الحقوق، كما تلغى الاضراب وحق التظاهر السلمى وغيرها من الحقوق، وتجعل العقوبة على ممارسة أى منها تصل طبقا للنصوص الى الأشغال الشاقة المؤبدة، ولدينا من النصوص ما يمكن لفرط "مرونتها" أن تطبق على أى إنسان لا ترضى عنه السلطة مثل قانون العيب وقانون المدعى الاشتراكى، التى تضع الأشخاص الذين يراد تطبيقها عليهم تحت طائلة "التحفظ" و "الحراسة" لمدد قد تصل الى خمس سنوات، حتى قبل أن يصدر بشأنها حكم قضائى.
وفى مصر -على عكس ما ينادى به معظم رجال القانون الديموقراطيون، وعلى عكس ما هو مطبق فى كثير من الدول الديموقراطية- يقوم لدينا نظام الحبس الاحتياطى فى القضايا السياسية وفى بعض جرائم الرأى، حيث يظل المهتمون محبوسين أما بأمر من النيابة أو بناء على طلبها مددا قد تصل الى شهور عديدة، وهو ما يعتبر عقوبة فى حد ذاته تطبق عليهم مقدما حتى لو ثبتت براءتهم بعد ذلك، وبموجب نظام المدعى الاشتراكى يمكن للشخص أن يوضع أيضا تحت "التحفظ فى مكان أمين" -وهو السجن غالبا لمدد قد تصل الى خمس سنوات، وفى ظل الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ، يمكن اعتقال أى شخص، لأى مدة، بأمر من وزير الداخلية، فاذا علمنا أن بلادنا قد عاشت معظم تاريخها الحديث فى ظل الأحكام العرفية، لأدركنا مدى التهديد الذى له حرية الناس فى بلادنا.
وفى مصر قضاء تفخر بمثله أيه أمة، وقد أثبت كفاءته ونزاهته وشجاعته فى كل العهود، ومع ذلك فإن هناك ميلا دائما للانتقاص من سلطاته ولسلب ولايته فى القضايا السياسية أو شبه السياسية، ولايجاد نظم أستثنائية بديلة تمارس سلطات الادعاء والحكم فى تلك القضايا، كما هو قائم فى محاكم أمن الدولة أو نظام المدعى الاشتراكى أو محاكم القيم، وكل هذا يمثل انتقاصا من الضمانات القضائية لحقوق وحريات المواطنين.
ان المبادئ التى تكفل ديموقراطية الحكم وحريات المواطنين وحقوق الانسان هى مبادئ واضحة وعروفة لنا جميعا، كما أن النواقص ونقاط الضعف التى تعانى منها الديموقراطية السياسية فى مصر واضحة ومعروفة لنا دميعا، ونحن فى حاجة الى وقفة حاسمة لازالة كل العراقيل أمام الديموقراطية المصرية ولارساء دعائمها مرة واحدة والى الابد، ولاحاطة الممارسة اللاديموقراطية فى مصر بما هى فى مسيس الحاجة اليه من الضمانات، نحن فى حاجة الى عملية مراجعة شاملة وعميقة وعاجلة لدستورنا، ولكل قوانيننا، ونظمنا القضائية، على ضوء المبادئ الديموقراطية الكاملة، وهذه عملية تاريخية ينبغى القيام بها بجهد قومى عام، لذلك فنحن ندعو الرئيس حسنى مبارك الى المبادرة بتشكيل لجنة قومية عليا تشارك فيها كل الخبرات القانونية، وكل الاتجاهات السياسية فى بلادنا، توكل اليها هذه المهمة التاريخية، وبحيث يتم بعد ذلك اقرار ما تنتهى اليه من نتائج بالطرق القانونية والدستورية الصحيحة.
ان حرية وديموقراطية المؤسسات والتنظيمات النقابية هى جزء لا يتجزأ من الديموقراطية السياسية، ونحن فى حاجة الى توفر وحماية الحريات والحقوق الديموقراطية فى كافة المجالات وعلى كل المستويات النقابية، العمالية والمهنية، والى مراجعة كافة القوانين المتعلقة بها، والى وضع الضمانات الكافية لحمايتها من أى تدخل أو انتقاص.
ونحن فى حاجة الى اعتماد الديموقراطية كمنهج أساسى لنظامنا الادارى، وخاصة فى الادارة الاقليمية والمحلية، ومراجعة كافة نظمنا فى هذه المجالات على ضوء هذا الاتجاه.
ونحن فى حاجة الى اعتماد الديموقراطية كمنهج للادارة الاقتصادية، وخاصة فى القطاع العام، والقطاع التعاونى، والى ايجاد الصيغ والأشكال اللازمة لتحقيق ذلك، بما يكفل المشاركة الفعلية للعاملين فى ادارة المنشئات، وفى وذع خطط الانتاج، وفى الرقابة على تنفيذها، ولعل هذا يكون وسيلتنا الأولى الى اصلاح الادارة الاقتصادية فى بلادنا، والى التخلص من عيوب القطاع العام.
ونحن فى حاجة الى مراجعة الكثير من أوضاعنا الاجتماعية وخاصة بالنسبة لدور المرأة فى الأسرة، ومع المجتمع، وفى الحياة الاقتصادية، وذلك على ضوء الموقف الديموقراطى والمعايير الديموقراطية، وما لم تتحول الممارسة الديموقراطية الى أسلوب كامل لحياتنا الاجتماعية، فسوف تظل الديموقراطية السياسية فى مصر ناقصة ومهددة بصورة دائمة.
ونحن فى حاجة الى صبغ التعليم والثقافة فى بلادنا بالصبغة الديموقراطية الأصيلة لدى النشء، وبما يكفل تدريبهم منذ الصغر على ممارسة الديموقراطية فكرا وتطبيقا، كما يتعين علينا أن نقوم بمراجعة كاملة لأساليب وبرامج العمل، بما يخدم عملية التوعية الكاملة والدائمة للمواطنين بأهمية الديموقراطية، وبأهمية تمسكهم بحقوقهم وحرياتهم الديموقراطية، وبكيفية التوفيق بين ذلك وبين الحرص على الصالح العام، وعلى حقوق وحريات الآخرين.
* * * *

4- ملاحظات على قضية التنمية


القضية الأساسية الثالثة من قضايا العمل الوطنى فى بلادنا فى هذه المرحلة من تاريخها الحديث، هى قضية النضال ضد التخلف الاقتصادى والاجتماعى والثقافى، للخروج من دائرة هذا التخلف بصورة حاسمة ونهائية، ولتحقيق درجة كافية من التطور والتقدم فى كل نواحى حياتنا المادية والثقافية، بما ينقلنا الى مستوى العصر، وبما يضع الأسس المادية والمعنوية لتطورنا فى المستقبل.
ان التقسيمات الدولية المعاصرة تضع مصر فى عداد الدول "النامية" وهو تعريف غير دقيق للأصول الأجنبية لهذا التعبير والتى ترجمتها القيقة "الدول المتخلفة" وينبغى ألا يغضبنا ما يقال اننا دولة متخلفة، اذ أن هذه هى لواقعنا السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى، والذين يريدون لمصر الخير والاصلاح عليهم أن يعترفوا أولا بهذه الحقيقة، وان يبدأوا كل تفكيرهم وعملهم ابتداء منها.
وهذا التخلف ليس صفة فى شعبنا بل هو يتنافى تماما مع تراثنا الحضارى وما يتميز به شعبنا من صفات ايجابية كالذكاء والمهارة والمثابرة وحب العمل والبناء، ولكن هذا التخلف هو تركه موروثه من بقايا العصور الوسطى، والتى حالت عهود الاستعمار والتبعية والاستبداد، وما صاحبها من قهر واستغلال واستنزاف للموارد والطاقات دون تخلصنا منه فى وقت مبكر، وقد كانت مصر أعرق فى تراثها الحضارى من اليابان، كما كانت أسبق منها اتصالا وأخذا بأسباب الحضارة الحديثة، ولهذا فقد كان المفروض أن تكون مصر الآن أكثر تطوراً من اليابان بكثير، غير أن ما حدث هو العكس، والسبب فى ذلك هو الاحتلال والاستعمار الأجنبى لمصر، وظروف القهر والاستبداد، وما فرضناه على شعبنا من استغلال واستنزاف وتخلف.
ومنذ أجيال ونحن نسمع الأحاديث فى خطب العرش والبيانات الحكومية عن اتجاه الحكومات المختلفة الى مكافحة الفقر والجهل والمرض، باعتبارها "الثالوث" الذى ينخر فى جسد شعبنا ويستنزف قواه، غير أن هذه الأحاديث الطبية وما صاحبها من محاولات اصلاحية محدودة لم تنجح فى القضاء على تلك الآفات الاجتماعية أو على غيرها من الآفات القديمة أو المستحدثة، بل أن هذه الآفات قد ازدادت مع الزمن تراكما وتعقيدا، كما ازداد التشابك فيما بينها حتى بلغ الأمر الى حد الأزمة المستعصية، ذلك أن "الثالوث" القديم، وغيره من الأمراض القديمة والمستحدثة، ليس ألا أعراضا متنوعة لمرض واحد وهو التخلف.
ان حجم مشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كبير ومقلق الى أقصى حد، ولم يعد ممكنا مقابلة هذه المشكلات بالتراخى أو التسويف أو الاهمال، ولا الاكتفاء فى مواجهتها بالحلول الجزئية أو السطحية، أو بالجهود المرتجلة، أن الأمر يحتاج الى وقفة تاريخية حاسمة من جانب الشعب كله، وقفة تنبع من الوعى الوطنى الشامل بمدى جسامة وصعوبة المشكلات، وتحتاج الى بعث الارادة الوطنية الصادقة فى التصدى الحازم لها، وهو يحتاج الى التخطيط العلمى الشامل لحل تلك المشكلات، والى العمل الوطنى الشامل والمستميت لوضع هذه الخطط بصورة كاملة موضع التنفيذ، مهما تطلبت من وقت وجهد ومثابرة، ومهما اقتضت من تضحيات.
ان هناك ترابطا موضوعيا وثيقا بين نضالنا ضد التخلف الاقتصادى والاجتماعى والثقافى، وبين سائر القضايا والأهداف الأخرى لعملنا الوطنى، فهذا التخلف يؤثر على عملنا فى سبيل هذه الأهداف كما يتأثر به نفس الوقت، ومع ذلك فانه يمكن القول بأن المحتوى الموضوعى الأساسى لكل عملنا الوطنى فى هذه المرحلة التاريخية انما هو القضاء على هذا التخلف، واحراز التقدم المطلوب فى حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ذلك أن هذا التقدم هو الضمان الموضوعى لصيانة استقلالنا الوطنى، وهو الاطار الموضوعى لانجاز التحول الديمقراطى الشامل والعميق فى حياتنا، وهو طريقنا الى رفع مستوى الحياة وتحقيق الرفاهية لشعبنا، كما أنه طريقنا الأساسى لتحقيق العدالة الاجتماعية.
نحن اذن فى حاجة الى خطة شاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خطة تمتد الى فترة زمنية طويلة، نقدرها بعشرين سنة على الأقل، وتنقسم الى عدة خطط مرحلية متعاقبة (خطط خمسية مثلا).
وهناك ترابط وثيق وتأثيرات متبادلة بين عملية التنمية الاقتصادية من ناحية، وبين التنمية الاجتماعية والثقافية من ناحية أخرى، غير أن عملية التنمية الاقتصادية تظل دائما هى حجر الأساس فى عملية التنمية الشاملة، وبالتالى فى مجمل النواحى الأخرى لحياة الشعوب، ولذلك فانه ينبغى أن نعتبر وجود خطة متكاملة للتنمية الاقتصادية، هو بمثابة العمود الفقرى لعملية التنمية الشاملة فى بلادنا، ولمجمل عملنا الوطنى كله.
وبطبيعة الحال فنحن لن نتعرض فى هذا المجال للحديث فى موضوع أو تفاصيل مثل هذه الخطة أو الخطط الاقتصادية، وهناك من الهيئات ومن المواطنين من هم أكثر منا علما وتخصصا ومقدرة فى هذا المجال، فضلا عن أن وضع مثل هذه الخطط يحتاج الى عمل جماعى منظم، والى أعظم قدر مستطاع من المشاركة الشعبية، غير أننا نود أن نطرح هنا عددا من الملاحظات الضرورية التى تتناول الاطار العام والضوابط الأساسية لهذه الخطة، والتى نوردها فيما يلى:
1- أن الهدف الأساسى لخطة التنمية الاقتصادية هو تنمية الثروة الوطنية، وتنمية الدخل الوطنى، وذلك الى أقصى درجة مستطاعه، وبصورة متواصلة، وتترتب على هذا الهدف الرئيسى، وتتفرغ منه عدة أهداف أساسية هى:
 أولا: زيادة القدرة على صيانة الاستقلال الوطنى، بتوفير مقومات الاستقلال الاقتصادى، وبزيادة القدرة على مواجهة الضغوط الاقتصادية، وبزيادة القدرة على مواجهة الضغوط الاقتصادية المختلفة وأزالة أسباب الضعف التى يمكن أن تؤثر على حريتنا فى اتخاذ القرارات والمواقف التى تتمشى مع مبادئنا ومصالحنا الوطنية.
 ثانيا: العمل المتواصل والفعال على حل مشكلات الجماهير الحادة والمعقدة، كمشكلات التموين والأسعار والإسكان والمواصلات وغيرها، وذلك فى أسرع وقت مستطاع.
 ثالثا: رفع مستوى معيشة الجماهير بصورة متواصلة، وذلك عن طريق زيادة الأجور والدخول الحقيقية، وزيادة وتحسين مستوى الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة وغيرها.
 رابعا: السير قدما فى اتجاه تحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية، وتقريب الفوارق بين الطبقات، وذلك من خلال زيادة نصيب الفئات الكادحة والفقيرة من الدخل الوطنى، وحمايتها من الاستغلال، وزيادة الخدمات المقدمة لها كما ونوعا.
2- ان خطة التنمية الاقتصادية ينبغى أن تكون متكاملة ومتوازنة بحيث تشمل مختلف مجالات العمل الاقتصادى المباشر، كالصناعة، والزراعة بمختلف فروعهما، وبحيث تحقق تنظيما أفضل للتجارة الخارجية والداخلية، وللخدمات، وبحيث تحقق نهوضا حاسما بقدرات البنية الأساسية على خدمة البناء الاقتصادى والاجتماعى المطلوب.
3- ينبغى أن يكون اعمتادنا الأساسى فى عملية التنمية الاقتصادية على جهودنا وامكانياتنا الوطنية الذاتية، وعلى قدرتنا على تعبئة وحشد هذه الامكانيات والجهود، وعلى حسن استخدامنا لها، ويجب ألا تجرفنا أوهام أو أحلانم اليقظة بأن أحدا سوف يحمل عنا عبء العمل والتضحية من أجل بناء بلادنا وتحقيق تقدمها ورخائها.
غير أن ذلك لا يعنى أن نعتزل العالم أو ننغلق على انفسنا، أو أن نرفض ما يتيحة لنا التعاون الدولى والمصالح الدولية المشتركة المشروعة من امكانيات للمساعدة فى الاسراع بتنمية اقتصادنا الوطنى، ولكن ذلك يقتضى وضع ضوابط دقيقة فى هذا الصدد:
 فأولا: فنحن نقبل المساعدات غير المشروطة بأية شروط سياسية أو اقتصادية أو عسكرية من أى دولة.
 وثانيا: ونحن نقبل القروض الاقتصادية، بشرط ألا تكون مقترنة بأية شروط تمس استقلالنا السياسى أو الاقتصادى، وأن تكون بشروط اقتصادية مقبولة لا استغلال فيها، وان تستخدم فى تنفيذ مشروعات التنمية الاقتصادية طبقا لخطتنا الوطنية الموضوعة.
 وثالثا: ونحن نقبل مشاركة روءس الأموال العربية والأجنبية فى تنفيذ المشروعات الاقتصادية فى بلادنا بشرط أن تكون هذه المشروعات مشروعات انتاجية وداخلة فى خطة التنمية الاقتصادية، وبالشروط والأوضاع التى لا تتعارض مع مصالحنا الاقتصادية أو أوضاعنا الاجتماعية.
 ورابعا: ونحن نرحب بقيام مشروعات اقتصادية مشتركة تبين مصر وأى بلد عربى آخر، سواء كانت هذه المشروعات داخلة فى خطة التنمية الاقتصادية الخاصة بمصر، أو ضمن اطار خطة عربية مشتركة.
4- أن أبواب النشاط الاقتصادى المنتج ينبغى أن تكون مفتوحة أمام كل من يستطيع أو يرغب بجدية وأخلاص فى المشاركة فى عملية التنمية الاقتصادية الشاملة، وينبغى أن يستقر لدينا المفهوم الصحيح بأن معركة التنمية تستدعى مشاركة كل الطاقات والامكانات الاقتصادية المتاحة، بل تستدعى تشجيعها وتقديم التسهيلات اللازمة لها، ولهذا فأن القطاعات الاقتصادية العاملة فى مجال التنمية الاقتصادية هى الآتية:
 أولا: قطاع الدولة بأجهزته العلمية والفنية والتنفيذية المختلفة، والمدنية والعسكرية.
 ثانيا: القطاع العام الاقتصادى.
 ثالثا: القطاع الخاص الوطنى.
 رابعا: القطاع الخاص المشترك والعربى والأجنبى.
 خامسا: القطاع التعاونى.
 سادسا: القطاع الاص الحرفى والعائلى والفردى.
واذا كنا نميل الى الرأى القائل بأن الأعباء الأساسية فى عملية التنمية الاقتصادية سوف يضطلع بها القطاع الحكومى والقطاع العام لما يمتاز به هذان القطاعان من امكانيات وخصائص تجعلهما الأجدر والأقدر على القيام بالمشروعات الكبيرة وخاصة فى مجال الصناعة وبناء البنية الأساسية والإسكان واستصلاح الأراضى... إلخ، الا أننا نرى ضرورة تيسير المشاركة الفعالة لبقية القطاعات الاقتصادية فى عملية التنمية وفى الحياة الاقتصادية بصفة عامة، على أن يتم ذلك فى نطاق خطط التنمية الشاملة، وفى اتجاه تشجيع المشروعات الانتاجية والنشاط الانتاجى، ولهذا السبب فنحن من أنصار فكرة الانفتاح الاقتصادى بشرط أن يتحول الى انفتاح انتاجى بصورة أساسية، ولهذا أيضا فنحن نرى ضرورة التشجيع على قيام قطاع تعاونى فعال، وتيسير مساهمة الأفراد والمدخرات الصغيرة فى النشاط الانتاجى وايجاد القنوات والأشكال الاقتصادية الملائمة لذلك.
5- ينبغى أن نعتبر أن قوة العمل المصرية هى أساس ثروتنا وهى عمادنا الأساسى فى عملية التنمية الشاملة المطلوبة، مما يقتضينا تنمية هذه القوة والمحافظة عليها وزيادة قدراتها ورفع انتاجيتها وتحسين طرق أستخدامها، ويقتضى ذلك التركيز على الاتجاهات التالية:
 أولا: العناية بالصحة العامة والتعليم العام ومستوى المعيشة للفئات العاملة باعتبار ذلك عاملا اقتصاديا هاما كما أنه عامل اجتماع هام لنجاح عملية التنمية.
 ثانيا: رفع مستوى التعليم الفنى والتخصصى، وتعميم عملية التدريب المهنى وتحسين مستواها الى أقصى حد مستطاع.
 ثالثا: تحسين عملية تنظيم وادارة واستخدام القوى العاملة فى كل قطاعات العمل وخاصة فى القطاع الحكومى والقطاع العام.
 رابعا: ضبط وتنظيم عملية الهجرة الى الخارج بالنسبة للقوى العاملة بصفة عامة، وخاصة بالنسبة للتخصصات العالية والمهارات الفنية، وبما يوفق بين الاعتبارات الداعية لهذه الهجرة وبين احتياجات خطة التنمية الشاملة فى البلاد.
6- ينبغى أن تجرى الجهود المبذولة لحل مشكلة الاسكان على أساس خطة متكاملة ترمى الى ايجاد الحلول الأساسية لعناصر هذه المشكلة والمتمثلة فى تحديد أماكن وأسعار وشروط التعامل فى أراضى البناء، وفى توفير مواد البناء وتغطية احتياجاتنا اليها بالتصنيع المحلى أساسا، وفى توفير العمالة والمعدات الحديثة وأساليب الادارة والتنفيذ العلمية... إلخ، ونرى أن يكون الاعتماد أساسا فى حل مشكلة الاسكان على المستويين الشعبى والمتوسط على القطاعين الحكومى والعام، وعلى تشجيع وتنظيم النشاط التعاونى فى مجال الاسكان.
7- ينبغى أن توضع مسألة المحافظة على البيئة وحمايتها موضع الاعتبار فى عملية التخطيط الاقتصادى والاجتماعى والعمرانى، ونرى أنه لابد من الاتجاه بصورة حاسمة الى اقامة المجتمعات الجديدة والمدن الجديدة فى مناطق سيناء وسواحل البحرين الأبيض والأحمر والوادى الجديد وغيرها من المناطق المهجورة، ووضع خطط التوسع الصناعى والزراعى والعمرانى على هذا الأساس.
8- أن عملية التنمية الاجتماعية لابد أن تسير جنبا الى جنب مع عملية التنمية الاقتصادية، وأن توضع لها الخطط والبرامج اللازمة للنهوض بكافة أوجه الحياة الاجتماعية فى مصر، ابتداء من رعاية الأسرة والطفل، رعاية الشباب، ورعاية القوى العاملة وخاصة النساء، ورعاية المسنين والعجزة.. إلخ، وينبغى أن نعمل بصورة منظمة على رفع مستوى الخدمات الاجتماعية اللازمة لذلك.
9- أن استمرار مهزلة أو مأساة الأمية فى مصر، وبهذه النسبة الهائلة التى تتجاوز 70% من المصريين، لم يعد مجرد سبة فى جبين مصر وفى جبين كل مثقف فيها، بل أنه يمثل عقبة كبيرة فى طريقنا لتحقيق كل أهدافنا الوطنية، وهو يؤثر تأثيرا سلبيا خطيرا على حياتنا السياسية وعلى جهودنا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، وهذه المشكلة تستدعى توجها وطنيا عاما لحلها فى اقصر وقت مستطاع، ونحن ندعو فى هذا المجال الى اتخاذ الخطوات التالية:
 أولا: تشكيل هيئة وطنية عليا لمحو الأمية، تتكون من ممثلين لكل الأجهزة المعنية، ولكل الأحزاب والهيئات والاتجاهات، وتضم ذوى الخبرات الفنية والكفاءات الأدارية والتنفيذية، وتكون مهمتها وضع خطة متكاملة لمحو الأمية فى مصر خلال عشر سنوات، وتحديد الوسائل التشريعية والتنفيذية والشعبية اللازمة لتحقيق هذا الهدف.
 ثانيا: تعديل قوانين ونظم الخدمة العسكرية والخدمة العامة وشروط التوظف بما يكفل توجيه القسم الأعظم من الشباب المتعلم الى العمل فى مجال محو الأمية بصورة أساسية فى مستسهل حياته العملية.
 ثالثا: تشجيع وتنظيم عمليات التطوع الشعبى للمشاركة فى محو الأمية، واعتبار ذلك مجالا أساسيا لعمل الادارة المحلية والنقابات ومقياسا أساسيا للحكم على المسئولين فيها.
 رابعا: اعتبار النشاط العملى الجاد فى مجال محو الأمية مقياسا أساسيا لجدية العمل الحزبى فى مصر، وشرطا أساسيا لمنح أى حزب المعونة والتيسيرات المختلفة من جانب الدولة.
10- أن التنمية الثقافية هى جزء أساسى من عملية التنمية الشاملة المطلوبة، وهى تلعب دورا أساسيا فى تحقيق أهداف هذه العملية وفى تحقيق أهداف العمل الوطنى بصفة عامة، وينبغى أن توضع الخطط لتحقيق هذه التنمية الثقافية وأن يجرى تنفيذها جنبا الى جنب مع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وينبغى أن تستهدف عملية التنمية الثقافية رفع المستوى الثقافى العام لشعبنا بصورة عامة ومتواصلة، والعمل على تأكيد وأعلاء القيم الوطنية والديمقراطية والأخلاقية للمواطنين.
كما ينبغى أن تعتمد عملية التنمية الثقافية على رفع مستوى التعليم العام والمتخصص، وعلى زيادة حجم الخدمات الثقافية المختلفة وتحسين مستواها، وضمان وصولها الى جماهيرنا الشعبية فى مختلف المدن والأحياء والقرى.
* * * *