‏إظهار الرسائل ذات التسميات 5. الرسالة الخامسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات 5. الرسالة الخامسة. إظهار كافة الرسائل

أولا: مقدمــة

الفراغ الماثل فى حياتنا السياسية والحاجة الماسة لتأسيس أحزاب جديدة:

على الرغم من كل ما قيل ويقال عن مدى ما حققته مصر حتى الآن من خطوات على طريق التطور الديمقراطى، والتعدية الحزبية، وعلى الرغم من قيام العديد من الأحزاب فى الساحة السياسية على مدى ربع القرن الأخير، فأن الحقيقة الماثلة، والتى لا يستطيع أن ينكرها أى أنسان صادق، هى أن هناك احساسا عاما بوجود فراغ سياسى كبير، بصرف النظر عن الهياكل الحزبية القائمة، وبأن الساحة السياسية تبدو، رغم كل الأدعاءات، ساحة مقفرة، بل موحشة، هذا هو احساس كل الطلائع الواعية المخلصة من أبناء هذا الشعب، وهذا هو احساس الغالبية الساحقة من أبنائه وبناته، فالأمر البادى للعيان، هو أن الأحزاب القائمة فى الساحة، على اختلاف أسمائها واتجاهاتها ليست قادرة على استيعاب آمال الجماهير وطموحاتها، أو التعبير عن مصالحها ومشاعرها، ومن ثم على نيل ثقتها أو احياء اهتمامها بالعمل السياسى، وهو ما يشكل خطورة بالغة على مصالح الوطن، بل وعلى كيانه، سواء فى الحاضر أو المستقبل.
فالذى يحمى حرية الأوطان ويصون كرامتها، والذى بينى نهضتها فى كافة الميادين، انما هى الشعوب الواعية المنظمة المتحركة، وليست الحكومات وحدها، مهما كان جهدها أو حماسها، ومن هنا فأن العمل الوطنى المنتج والخلاق، يقتضى لانجازه حشد وتعبئة الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب وبناته، وايقاظ قناعتهم وحماسهم، وضمان مشاركتهم الواعية الحرة، فى انجازه وتحقيق أهداف وبرامج العمل الوطنى، ثم فى حماية منجزاته من العبث والتخريب.
ويغير ذلك، يظل العمل الوطنى القاصر على الحكومات، محدود النتائج بحدود قدرة الأجهزة الحكومية على الأداء والرقابة والحماية، ويظل نهيا للأدواء والعلل التى تتسم بها هذه الاجهزة التى يثقلها العجز والبيروقراطية وينخر فيها الفساد.
* ان لهذه الظواهر، ظواهر ضعف الأحزاب القائمة، وانعدام فاعليتها، واستفحال الفراغ السياسى، وتفاقم سلبيةالجماهير الواسعة، وانصرافها عن المشاركة فى العمل السياسى، وهو ما يبدو واضحا من ضآلة عدد المشاركين فى الانتخابات العامة بجميع مستوياتها، ومن العديد والعديد من الظواهر الأخرى، لهذا كله أسبابه الواضحة، المتعددة والعميقة، القديمة والحديثة، من هذه الأسباب ما يتصل بالأوضاع العامة التى قامت فى البلاد منذ عهود، والتى مازالت قائمة فيها حتى الآن، وبطبيعة العلاقات السياسية والأقتصادية والأجتماعية والثقافية التى سادت الحياة المصرية طويلا ومازالت تسودها، والتى أصابت الجماهير المصرية وطلائعها بالاحباط وخيبة الأمل، ودفعت بها الى السلبية والى الابتعاد عن ساحات العمل السياسى والعام، والى الانكباب على مشاغلها العملية وهموم حياتها اليومية.
* كما تتصل هذه الظاهرة بالتجربة التاريخية الأليمة التى مرت بها الجماهير المصرية وطلائعها، فى ظل ثورة يوليو بمراحلها المختلفة، من قمع وارهاب على يد الدكتاتورية العسكرية، والحكم البوليسى، بأشكال ودرجات مختلفة بأختلاف تلك المراحل، وما لقيه الكثيرون من أبناء الشعب من تنكيل فى السجون والمعتقلات، وأمام المحاكم العسكرية، بل وفى الشوارع والمصانع والجامعات، وأقسام الشرطة فى المدن والريف، رغم أنهم لم يكونوا معادين لقيام الثورة، بل كانت أغلبيتهم الساحقة من المؤيدين لها، وممن ساهموا بنضالهم فى التمهيد لقيامها، وكل ذلك قد دفع بالجماهير الواسعة دفعا الى مهاوى اليأس والسلبية والقنوط.
على أن ذلك كله -والحق يقال- لم يبدأ مع قيام ثورة يوليو، ولم يقتصر وجوده عليها، بل أن قدرا غير قليل منه كان قائما فيما سبقها من عهود فى ظل الحكم الملكى والسيطرة الاستعمارية، وخاصة فى ظل حكومات الأقلية وأحزابها الموالية للأستعمار والقصر والاقطاع، وقد كان الأمل معقودا على أن تقوم ثورة يوليو بتحقيق حياة ديمقراطية حقيقية للشعب، بعد أن تخلصت البلاد من الثالوت الجائم على صدرها -الاستعمار والاقطاع والسراى- وأنفتح أمامها الطريق لتحقيق تحول ديمقراطى شامل وعميق، وهو ما كان من أهم أهداف نضال شعبنا خلال قرنين من الزمان، وعلى مدى تاريخة الحديث، خاصة وأن الثورة كانت قد وضعت ذلك ضمن برنامجها، وحعلته أحد الأهداف السته التى بشرت بها عند قيامها، ولكن الثورة للأسف انحرفت عن هذا المبدأ، اذ تغلبت شهوة الانفراد بالسلطة على قيادات الثورة من الضباط، ومن ساندهم من المدنين زالأنتهازين، ومن المنتفعين بسلطة الضباط، وتعلبت الشهوات والمصالح الذاتية لدى هؤلاء على مقتضيات المصلحة الوطنية، والولاء للشعب، والأخلاص للمبادئ، وساعد على حدوث ذلك كله ما كان قائما فى الساحة المصرية وقتذاك -ومازال بعضه قائما حتى الآن- من أفكار معادية للديمقراطية، منها فكرة (المستبد العادل)، تلك الفكرة الخرافية الزائفة.
وقد كان انحراف ثورة يوليو عن تحقيق المبدأ الديمقراطى، هو خطأها الأساسى القاتل، وهو أهم أسباب النكسات والهزائم التى منيت بها، والتى مازال الشعب يدفع ثمنها حتى الآن، ولقد حاولت الجماهير الشعبية وطلائعها الواعية، دفع الثورة الى تصحيح هذا الخطأ، وخاصة خلال أحداث مارس سنة 1954، ثم بعد وقوع نكسة سنة 1967، ولكن دون جدوى، اذ تغلبت الأهواء والمصالح من جديد على صوت العقل والضمير.
والدرس المستفاد من هذه الحقائق التاريخية، هو أن أى إصلاح حقيقى لأحوال البلاد وأوضاعها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الاخلاقية، وأى حماية حقيقية لمصالحها الوطنية، لا يمكن تحقيقه، الا من خلال إنجاز تحول ديمقراطى شامل وعميق، ومازالت هذه المهمة قائمة، ومازالت ملقاه على عاتق الطلائع الواعية المخلصة من أبناء هذا الشعب.
ان الوضع السياسى القائم فى مصر الآن، مازال يمثل أمتدادا للنظام الذى أقامته ثورة يوليو، سواء فى المرحلة الناصرية أو السادتيه، فهو نظام يقوم على الحكم الفردى المطلق أو شبه المطلق، وعلى مصادره الحقوق الديمقراطية والحريات العامة والالتفاف حولها، وعلى انتهاك حقوق الأنسان، وعلى الحكم البوليسى، وعلى تركيز السلطات الفعلية فى يد السلطة التنفيذية وتهميش دور السلطتين التشريعية والقضائية.
وتلك هى الحقيقة الأساسية القائمة، رغم كل الأدعاءات والواجهات الديمقراطية الشكلية الفرغة من المضمون الحقيقى.
* إن الدستور الحالى، ليس إلا تقنينا لتلك الأوضاع المتوارثه منذ ثورة يوليو، والتى قامت على إهدار المبادئ الديمقراطية رغم كل الأقوال والادعاءات، ورغم الواجهات الشكلية المقامة، بما فى ذلك المجالس النيابية التى لا تقوم على الاختيار الشعبى الحقيقى، والاحزاب المحاصرة بالقيود، والمفرغه من أى محتوى حقيقى للأحزاب الحيه، الى غير ذلك من الأمثله الأخرى.
* والثابت أن الأحزاب القائمة فى الساحة السياسية المصرية -وحتى الآن لم تستطع خلال ربع قرن من الزمان أن تقطع أى خطوة حقيقية على طريق الخروج من السلبية والفراغ السياسى، وإيقاظ أهتمام الجماهير، أو احداث أى تغير ملموس الواقع السياسى المصرى، فى اتجاه التطور الديمقراطى الحقيقى، فضلا عن المشاركة فى السلطة، أو فى ايجاد الحلول للمشكلات العديدة والعميقة التى تواجهها البلاد.
ومن الثابت أيضا أن أيا من هذه الأحزاب القائمة -على اختلافها، لا يحظى بالمكانة الجماهيرية اللازمة لتمكينه من التأثير على الأوضاع السياسية القائمة، أو فى تغير المناخ السياسى القائم.
وأخيرا فإنه من الواضح، لكل ذى عينين، أن الساحة السياسية المصرية باتت فى حاجة ماسة الى أحزاب جديدة حقيقية، أحزاب قادرة على تحريك هذا الركود، وعلى شق طريقها فى الحياة السياسية بطريقة أكثر حيويه وفاعلية وقدره على إقناع الجماهير وإثارة حماسها للمشاركة فى الحياة السياسية، وفى العمل السياسى.

ثانيا: الحزب الجديد الذى ندعو اليه:

وتمثل هذه الرسالة، دعوة الى اقامة حزب جديد من هذا النوع الذى تحتاج اليه البلاد، وحتى يكون هذا الحزب كذلك، فلابد أن يكون مختلفا ومتميزا عن الأحزاب العديدة القائمة، فهذا الحزب لابد أن يقوم على مرتكزات ومبادئ فكرية وسياسية واضحة وصحيحة، وعلى استيعاب عميق صحيح لدروس التاريخ المصرى الحديث، وللتراث العربى والإسلامى، ولحقائق الواقع المصرى والإقليمى والعالمى المعاصر، وعلى استشراف صائب وواقعى لآفاق التغيرات الجوهرية المتلاحقة فى مختلف نواحى الحياة الانسانية، ويستطيع من ثم أن يحدد لمصر طريقها الصحيح والآمن بين هذه الثوابت، وتلك المتغيرات، دون أن يفقد الأتجاه، ودون أن يرتطم بمخاطر الجمود، أو ينزلق إلى مهاوى الإنسياق وراء الدعاوى الزائفة، أو الشعارات الخادعة البراقة، التى تختفى وراءها المصالح والأغراض الداخلية أو الأجنبية المريبة، والتى ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب.
حزب يستطيع أن ينال ثقة الجماهير الواسعة، بوضوح وصحة مبادئه وتوجهاته، وبقوة وفاعلية برامجه وسياساته ومواقفه، وتطابقها مع مصالح ومشاعر الغالبية العظمى من الشعب، وبصدق وشجاعة وإخلاص قياداته وأعضائه ونقاء تاريخهم وسجلهم الوطنى، ويتطابق سلوكهم السياسى مع المبادئ والشعارات التى يرفعونها.
* ولا شك أن القضاء على السلبية والفراغ السياسى، انما يحتاج الى جهد هائل متواصل، كما أنه يرتبط بإحداث تغيرات جوهرية فى الأوضاع الدستورية والسياسية والقانونية للبلاد، تغيرات تفتح الباب واسعا أمام تحقيق تطور ديمقراطى شامل وعميق فى سائر نواحى حياتنا، وتكفل اقامة مناخ ديمقراطى صحى ونقى لحركة الجماهير، وإحداث هذه المتغيرات ليس بالأمر السهل أو اليسير، فدونه الكثير من العقبات الجسام التى تفرضها المصالح والأهواء والمطامع الداخلية والأجنبية، ولكن إنجاز هذه المتغيرات هو المدخل الضرورى لأى اصلاح حقيقى فى مختلف نواحى حياتنا، ومن ثم فهو المهمة الأساسية المطروحة على ساحة العمل الوطنى، والملقاه على عاتق كل الطلائع الوطنية الواعية والمخلصة.
* وإقامة هذا الحزب ندعو اليه، هو الخطوة الأولى التى يراها واضعوا هذه الرسالة لتحقيق هذا الهدف، وهو العمل الجاد على تحقيق تطور ديمقراطى شامل وعميق فى سائر نواحى حياتنا المصرية، وتوفير مناخ ديمقراطى صحى ونقى لحركة الجماهير الشعبية، بأعتبار أن ذلك هو المدخل الصحيح لتحقيق النهضة الشاملة، ولحل كل المشكلات الصعبة التى تواجهها البلاد.

ثالثا: البلبلة والتشويش الفكرى والسياسى الماثل جذورهما التاريخية وأسابهما الحديثة:

لا يستطيع أحد أن ينكر أو يتغافل عن مدى البلبة والتشويش اللذين باتا يخيمان على حياتنا الفكرية والسياسية فى الوقت الراهن، فمصر تقف الآن فى مفترق طرق عديدة متقاطعة ومتعارضه، وهو ما من شأنه أن يؤدى الى الالتباس وإختلاط الأوراق فى الكثير من أمور حياتنا وتوجهاتنا الداخلية والخارجية.
وترجع هذه البلبة الفكرية والسياسية الى أسباب داخلية عديدة، كما ترجع الى التأثيرات المختلفة للتطورات التى طرأ معظمها على الأوضاع العالمية خلال السنوات العشر الماضية، والتى مازالت تتوالى حتى الآن، والتى تقطع كل المؤشرات بأنها سوف تتزايد فى المستقبل القريب.
_الجذور التاريخية لهذه البلبلة والتشويش الفكرى:
 ترجع الأسباب الداخلية لهذه البلبلة والتشويش الفكرى الى ما مرت به مصر من تغيرات حادة وسريعة فى سياساتها وتوجهاتها الداخلية والخارجية خلال فترة لا تتجاوز الخمسين عاما من الزمان -حين انتقلت- على يد ثورة يوليو -من النظام القديم، نظام السيطرة الإستعمارية والحكم الملكى المستبد الى الاقطاع والرأسمالية الكبيرة المتعاونة مع رأس المال الأجنبى، الى النظام الجمهورى الذى نشأ بقيام الثورة، والذى مر بدوره بتطورات وتحولات حادة وسريعة، باختلاف المراحل التى مرت بها الثورة منذ بدايتها، الى مرحلة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، ثم الى مرحلة حكم الرئيس أنور السادات، ثم الى مرحلة حكم الرئيس حسنى مبارك الحالية، خلال هذه المراحل، وتحت تأثير العوامل والمتغيرات الداخلية والخارجية المختلفة، ووفقا لمنهج (التجربة والخطأ) الذى تأثرت به البلاد ومازالت متأثره به حتى الآن، مرت مصر بالكثير من التجارب والبدائل المختلفة -بل والمتناقضة- فى توجهاتها وسياساتها فى مختلف نواحى حياتها.
جربت مصر فى حياتها الداخلية، الحياة الديمقراطية بمفهومها الليبرالى وبتطبيقاتها السطحية والشكلية والجزئية، على ما كان سائدا بصورة متقطعة قبل الثورة، كما جربت الحكم الدكتاتورى العسكرى والبوليسى، والواجهات الديمقراطية الشكلية، وفيما بعد الثورة جربت تعدد الأحزاب، والغاء الأحزاب، ونظام الحزب الواحد، ونظام الأحزاب المحدودة والمقيدة.
جريت الحكم الدستورى غير المستقر، والحكم بلا دستور، والحكم بدساتير مؤقته أو مفروضه من أعلى، أو منقوصة، جربت حرية الصحاية، وتقييد الصحافة بقيود قانونية أو إدارية، أو برقابة ظاهرة أو مستترة.
كما جربت مصر فى حياتها الأقتصادية سياسات عديدة ومتناقضة، جريت الإقطاع وحرية رأس المال، وإطلاق العنان لرأس المال الأجنبى، وحرية التجارة الداخلية والخارجية بلا قيود، وجربت تحديد الملكية الزراعية، وتحديد علاقة مالك الأرض والمستأجر، ومالك السكن والساكن، وسياسة تمصير الماصلح الأجنبية، والتأميم، وتقييد حركة رأس المال، وإقامة رأسمالية الدولة والتوسع فيها، وممارسة نوع من التطبيق الاشتراكى، وبناء قطاع عام كبير، والأخذ بسياسات التخطيط والتوجيه الاقتصادى، والسيطرة على التجارة الخارجية وعلى قسم كبير من التجارة الداخلية، معتمدة فى ذلك على الوسائل والأساليب البيروقراطية، ثم عادت مصر بعد ذلك الى السير فى الطريق العكسى، فانتهجت ما سمى بسياسة الانفتاح الاقتصادى، وفتحت المجال أمام رأس المال الأجنبى، وأمام القطاع الخاص، وأخذت تميل الى الاعتماد فى عملية التنمية الاقتصادية أكثر فأكثر على رأس المال الخاص والأجنبى، والى التقليل من دور الدولة ومن تدخلها فى الحياة الاقتصادية الى أدنى درجة مستطاعة، مع ما يترتب على كل هذه التغيرات فى التوجه الاقتصادى من تأثيرات على السياسات الاجتماعية والتوجهات الثقافية فى كل مرحلة.
وفى السياسة الخارجية، جربت مصر سياسة الارتباط بالغرب، وسياسة التقارب مع الشرق، وسياسة عدم الانحياز، وفى المجال القومى، جربت مصر العمل فى استقلال عن العرب، أو الارتباط الجزئى بالعرب، كما جربت الاندفاع فى التوجه القومى العربى، والانغماس فى مشكلات العالم العربى، ثم ارتدت الى موقف القطيعة مع العرب، ثم عادت الى العمل على استعادة علاقاتها العربية، والى الأخذ بسياسة التضامن العربى.
وهكذا فى كل مجال، تعددت وتناقضت التجارب والسياسات، ولا شك أن ذلك قد أوقع بمصر أضرارا بالغة وساهم بنصيب وافرفى تراكم وتعقد مشكلاتها، وفى ظل مثل هذا التذبذب والتناقض والارتباك، لا يمكن أن يثمر عمل، ولا أن يكتمل بناء، هذا فضلا عما تركته هذه التغيرات الحادة، والمفاجئة أحيانا، من آثار سلبية على توجهاتنا الفكرية والسياسية، وما نشعر به الآن من الاضطراب والبلبلة.
ولسنا من حيث المبدأ من أنصار منهج (التجربة والخطأ) فى قضايا العمل الوطنى، المتعلقة بمصالح ومصائر الشعب، كما أننا نعتقد أن المرجع الأساسى للأخذ بهذا المنهج إنما هو الحكم الفردى المطلق أو شبه المطلق، والذى يتيح للحاكم الفرد أو للأقلية الحاكم أن يسير أو يسيروا بالبلاد فى الطريق الذى يراه أو يرونه -وفقا لمصالحه أو مصالحهم، أو لأهوائه أو أهوائهم، وأن ينتقل أو ينتقلوا بها من سياسة الى سياسة كما يرى أو كما يرون، كما أننا نعتقد أنه اذا كان لبعض هذه التجارب التى مرت بها مصر ما قد يبررها، فإن الكثير منها لم تكن له ضرورة على الأطلاق، أذ أنها كانت واضحة الخطأ منذ البداية ومتعارضه مع حقائق العلم ومعطيات الخبرة التاريخية لشعبنا، ولغيره من الشعوب.

_المتغيرات الحديثة وتأثيرها فى هذه البلبلة الفكرية والسياسية:
 كما ترجع هذه البلبلة الفكرية والسياسية الى التأثيرات المختلفة للتطورات التى طرأت على الأوضاع الدولية خلال السنوات العشر الماضية، والتى مازالت تتوالى، حتى الآن، والتى تقطع كل الدلائل على أنها سوف تستمر وتتزايد فى المستقبل القريب، وتلك هى (المتغيرات الدولية) التى كثر الحديث عنها واشتد الخلاف حولها منذ تلك السنوات، تلك المتغيرات المتمثلة فى أضمحلال النظام العالمى الذى ساد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والمسمى بنظام القطبية الثنائية، والذى كان يرتكز على التوازن بين الكتلة الشرقية، والكتلة الغريبة، وكتلة عدم الأنحياز، وعلى القانون الدولى، وميثاق الأمم المتحدة، وعلى دور تلك المنظمة بآلياتها المختلفة، والأتجاه المتزايد الى فرض هيمنة الولايات المتحدة، وحلفائها من حلف شمال الاطلنطى، بالأعتماد على القوة العسكرية، والضغط السياسى، والأحتواء الأقتصادى، من خلال سيطرة الشركات العملاقة المتعددة الجنسية، والهيئات الأقتصادية والمالية الدولية الخاضعة للولايات المتحدة، مثل البنك الدولى، وصندوق النقد الدولى، على العالم كله، ويتم ذلك بمختلف الطرق والوسائل، سواء باستخدام مظلة الأمم المتحدة التى باتت خاضعة الى حد كبير لنفوذ وسيطرة الولايات المتحدة، وتحت شعار (الشرعية الدولية) أو فى خروج صريح على تلك الشرعية، وعلى ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولى، وفى الاتجاه المتزايد الى استبدال دور حلف الأطلنطى، بدور المنظمة الدولية، وبما ينذر بأنتهاء، وشيك لدور تلك المنظمة، وميثاقها، وانهيار كامل للنظام العالمى، وهذا ما يجرى الآن تحت شعار قيام (النظام العالمى الجديد)، (والشرعية الدولية)، واذا كان المحتوى السياسى لهذا النظام العالمى الجديد هو -كما قدمنا- فرض السيطرة العسكرية والسياسية للولايات المتحدة وحلفائها على العالم، فان المحتوى الأقتصادى لهذا النظام هو اطلاق العنان للاستغلال الرأسمالى، على مستوى العالم كله، وعلى مستوى كل بلد على حده، لصالح الشركات الرأسمالية العالمية المتعددة الجنسيات ولصالح الدول الرأسمالية الكبرى، وعلى حساب الأقتصاد الوطنى لباقى الشعوب، وخاصة الشعوب الفقيرة، وعلى حساب الطبقات العاملة والمتوسطة فى كل البلاد، ويتم ذلك تحت شعارات (العولمة)، (وحرية التجارة)، وباستخدام اتفاقيات (الجات) والدعوة الى (الخصخصة) والأخذ بنظام (أقتصاد السوق)، والتقليص المتواصل لدور الدولية فى الحياة الأقتصادية، والتصفية المتسارعة للقطاع العام فى كل البلدان، ويصاحب هذا كله، تصاعد كبير فى الدعوة الى تعميم الديمقراطية السياسية، ونشر الحريات، والالتزام بحقوق الانسان، وهى دعوات بتبناها الرأى العام العالمى، وكثير من المنظمات والجمعيات الأهلية، المحلية والأقليمية والعالمية، كما تتبناها منظمة الأمم المتحدة، والهيئات التابعة لها، بتشجيع واضح من الدول والحكومات ذات النفوذ الأكبر فى تلك المنظمة، وتستخدم هذه الدعوة فى كثير من الأحيان كوسيلة للضغط على بعض الدول واحراجها، بل والتدخل فى شئونها الداخلية بحجة انتهاكها للديمقراطية والحريات وحقوق الانسان، أو حمايتها للارهاب، ويجرى ذلك بصورة انتقائية ووفقا لمعايير مزدوجة، وتحكمها الاعتبارات السياسية، والمصالح والأغراض، أكثر مما يحكمها الالتزام بتلك المبادئ الانسانية السامية، وهو ما أصبح يشكل هو والدعوة الى العولمة الاقتصادية تهديدا متزيدا لاستقلال وسيادة ومصالح الأصغر أو الأضعف، أو الأكثر فقرا.
كذلك فأن من أهم المتغيرات التى طرأت على عالمنا المعاصر، هى تلك الثورات المتلاحقة والمتسارعة، التى وقعت ومازالت تقع فى المجال المادى لحياة الانسان، مثل الثورة العلمية والتكنولوجية وثورة المعلومات، وثورة الاتصالات، وهو ما أصبح يمثل عوامل ضغط هائلة للتغيير فى الأسس المادية والمعنوية لحياة الانسان فى مختلف المجتمعات.
وتصاحب ذلك كله موجات متصاعدة من الضغوط والدعايات المستمرة لاعادة تشكيل الواقع الاجتماعى، والأبنية الفكرية والثقافية والنفسية فى كل البلاد بما يتفق مع هذه التوجهات، وذلك تحت شعار الاستجابة أو الانصياع (للمتغيرات الدولية)، وينتج عن الترويج لهذا الشعار، وما يتصل به من أفكار وسياسات وتوجهات، وما يثيره ذلك كله من آثار وردود أفعال وخلافات فى الرأى، وتفاقم حالة البلبلة والتشويش والاضطراب واختلاط الأوراق، التى تعانى منها البلاد، والتى تترك آثارا واضحة على حالتنا الفكرية والسياسية.

رابعا: الثوابت والمتغيرات القائمة فى حياتنا وأثرها فى تحديد الاطار الفكرى والسياسى للحزب الجديد:

ان بلادنا ترزح وطأة الكثير من المشكلات الثقيلة الجاثمة فى مختلف نواحى حياتنا، وهى مشكلات تبلغ من تعددها وتفاقهما وتشابكها حد الأزمة العامة، والتى تبدو معالمها وملامحها واضحة كل الوضوح فى مختلف نواحى حياتنا السياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية، بحيث لا يستطيع إلا مكابر، أن ينكرها أو يقلل من خطرها، ورغم أننا لا ننكر، ولا ينبغى أن ننكر أى جهد مخلص قد بذل أو يبذل للتغلب على هذه المشكلات، الا أنه يتعين علينا أن نقرر أن السياسات المرتجلة، والحلول الجزئية والسطحية، لن تجدى فتيلا فى مواجهة هذه الأزمة أو فى حل تلك المشكلات، وأنه لابد من مواجهتها بحلول جذرية حاسمة وشاملة، وبسياسات صحيحة تعالج الأسس وتصحح المسار.
لقد آن الأوان لكى تخرج بلادنا من دوامة الارتجال، وأن تتخلص من منهج (التجربة والخطأ)، وأن تنتهج سياسة اصلاحية شاملة، تقوم على مرتكزات فكرية واضحة وصحيحة وعلى الالتزام بالمنهج العلمى السليم فى التشخيص والتخطيط والتنفيذ، وعلى اطلاق القدرات الكامنة لدى جماهير شعبنا، وكل حماسها ومبادراتها الخلاقة، للمشاركة الفعالة فى حركة التغيير والتصحيح، وبما يمثل انبعاثا جديدا للروح الوطنية، ولارادة النضال من أجل حياة حرة كريمة، ومن أجل تأمين مستقبل واعد للأجيال القادمة.
ولن يكون ذلك ممكنا، الا بسياسة تقوم على استيعاب كامل لتجارب ودروس النضال المصرى على مدى تاريخنا الحديث من ناحية، وعلى قراءة واعية وصحيحة للمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية من ناحية أخرى، دون تقليل أو تهوين منها ودون الوقوع فريسة لما يصاحبها من عمليات التهويل أو التضليل، إخفاءً لما يتستر بها من الأغراض والمصالح الداخلية أو الخارجية.
* لقد خاضت مصر طوال تاريخها الحديث، وعلى مدى قرنين من الزمان، نضالا متواصلا من أجل تحقيق نهضتها، وبذلت فى ذلك أغلى التضحيات من جهد أبنائها ودمائهم وأموالهم، وخلال هذا النضال الطويل، تبلورت وتأكدت الأهداف الأساسية لنضال شعبنا، وتغلغلت فى عقول وقلوب أبنائه وبناته، بحيث أصبحت تمثل أساسا صلبا لعقيدته الوطنية.
لقد ناضل شعبنا على مدى تاريخنا الحديث، تحت راية الوطنية، من أجل تحقيق وحماية استقلاله الوطنى، وكرامته الوطنية، وتحرير ارادته الوطنية، والحفاظ على وحدة أراضية، وتحقيق سيادته عليها، وفى سبيل ذلك قاوم الاحتلال الفرنسى وثار عليه، وقاوم الاحتلال والتبعية للاستعمار العثمانى، كما قاوم الاحتلال والسيطرة البريطانية، وبذل أغلى التضحيات للتحرر منهما.
وخاض شعبنا نضالا لا هوادة فيه ضد الاستعمار الجديد، المتمثل أساسا فى محاولات فرض الهيمنه الأمريكية، السياسية والأقتصادية والعسكرية، من خلال الأحلاف العسكرية، والتغلغل الاقتصادى، والثقافى، وترسخت لدى شعبنا من ذلك كله خبرة تاريخية عميقة، تجعله شديد التمسك باستقلاله الوطنى، والحرص عليه، والايمان بأن صيانة هذا الاستقلاق هى نقطة الارتكاز لتحقيق أى تقدم أو أصلاح فى كافة نواحى حياته.
* وناضل شعبنا نضالا لا هوادة فيه ضد الأستبداد ومن أجل اقامة نظام الحكم على أساس الديمقراطية ووفقا للارادة الشعبية، وكفالة الحقوق والحريات الديمقراطية وحقوق الانسان، ومن أجل ذلك قاوم شعبنا النظام الاستبدادى الذى كانت تفرضه تركيا على مصر، ومن أجل ذلك قامت الثورة العرابية، كما قامت ثورة 1919 التى جعلت من اقامة النظام الديمقراطى والحكم الدستورى -الى جانب الأستقلال الوطنى- هدفا رئيسيا لها، واعتبرت الهدفين معا كلا واحدا لا يمكن تجزئته، ومن أجل ذلك تواصل نضال شعبنا ضد الحكم الاستبدادى الملكى المؤيد من الاستعمار فيما بعد ثورة 1919، وحتى قيام ثورة يوليو 1952، ولذلك أيدت الجماهير الشعبية تلك الثورة ورحبت بها عندما أعلنت أن اقامة حياة ديمقراطية سليمة، هى أحد الأهداف السته التى قامت لتحقيقها، وبسبب انحراف سلطة الثورة عن هذا الهدف واتجاهها الى فرض الحكم العسكرى الاستبدادى، عبرت الجماهير فى أكثر من مناسبة عن خيبة أملها فى الثورة، ووفقت الطلائع الواعية من الشعب موقف المعارضة لسلطتها.
وحتى اليوم مازالت جماهير شعبنا تعبر عن قناعتها التامة، وتمسكها الحازم بحقها فى اقامة نظام الحكم على أساس ديمقراطى صحيح، وفى انجاز تحول ديمقراطى شامل وعميق فى مختلف نواحى حياتنا، وتعتبر ذلك شرطا جوهريا لصيانة الاستقلاق والمصالح الوطنية، ولتحقيق أى أصلاح جوهرى وحقيقى فى أى مجال من مجالات حياتنا.
* وناضل شعبنا طويلا ضد الاستغلال الاقتصادى والظلم الاجتماعى، ومن أجل العدالة الاجتماعية، ومن أجل توفير الحياة الانسانية الكريمة لأغلبية الساحقة من الكادحين والفقراء، وأعتبر ذلك هو الهدف النهائى لأى اصلاح سياسى أو أقتصادى أو أجتماعى، وهو المحك الحقيقى لنجاح أيه سياسة أو فشلها.
ان المحتوى الحقيقى للأديان، ولكل الدعوات الأخلاقية والانسانية، أنما يرتبط فى المفهوم الشعبى للمصريين، يقيم العدل والانصاف ورفع مستوى معيشه الأغلبية الساحقة من المواطنين، ولا يمكن لجماهير شعبنا أن تتقبل أو أن تؤيد أى سياسة لا تضع تحقيق العدالة الاجتماعية ومقاومة استغلال الانسان للانسان، وحماية الفقراء والضعفاء، على رأس أهدافها.
* وأخيرا فقد ناضل شعبنا طوال تاريخه الحديث، على مدى قرنين من الزمان، للخروج من دائرة التخلف الذى وقعت فيه بلادنا بسبب خضوعها الطويل للاستعمار والسيطرة الأجنبية، والاستبداد والحكم المطلق، وبسبب وقوعها طويلا فريسة للاستغلال، وأستنزاف مواردها لصالح المستغلين الأجانب والمحلين، وما أدى اليه كل ذلك من اهدار لطاقتها وتبديد لمواردها، مما انتهى بها الى الوقوع فى هوة التخلف السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى.
ان شعبنا قد بذل جهودا طائلة ومتواصلة للخروج من هذا التخلف، كما أن جهودا ملموسة قد بذلت فى فترات مختلفة من تاريخنا الحديث، كما حدث فى عهد محمد على، والخديو اسماعيل، وبعد ثورة 1919، وفى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وفى عهد الرئيس مبارك، لتحقيق اصلاحات ذات شأن فى مختلف جوانب حياتنا، ولكن هذه الاصلاحات لم تبلغ الحد الذى يخرج بمصر من ائرة التخلف، ويلحقها بركب التقدم، ويرجع ذلك الى عدة أسباب أهمها عدم ارتباط تلك الجهود بالتوجه الجاد الى تحقيق الاصلاح السياسى، ومن ثم عدم ارتباط تلك الجهود بالتحول الديمقراطى الشامل والعميق، وافتقارها الى التخطيط العلمى، والى التكامل والشمول، والى الاستمرارية والاستقرار، وربما يصل بها الى نتائجها الحاسمة، وحتى الآن، ورغم الجهود الكبيرة التى بذلت وتبذل من جانب الدولة فى عهد الرئيس حسنى مبارك لتحقيق التنمية الاقتصادية، فما زالت مصر بعيدة عن تحقيق درجة من التقدم وتكفل لها الخروج من طوق التخلف، وخاصة بمقاييس العصر، وفى ظل المتغيرات الكثيرة التى طرأت على عالمنا المعاصر، ويرجع ذلك الى نفس الأسباب: الأفتقار الى الاصلاح السياسى الديمقراطى، والتخطيط العلمى، والنظرة المتكاملة

خامسا: المبادئ الأساسية التى يقوم عليها برنامج الحزب الجديد وسياساته ومواقفه:

على ضوء كل هذه الأعتبارات، وما تقتضيه تلك الثوابت والمتغيرات التى تفرض نفسها، على فكرنا السياسى، غانه يتعين على الحزب الجديد أن يضع الخطوط الأساسية لبرنامجه العام، وبرامجه التفصيلية، ولمواقفه وسياساته، على ضوء المبادئ الآتية:

 أولا- الموقف الوطنى للحزب، وما يترتب عليه من مواقف وسياسات:
 المبدأ الأول من مبادئ الحزب هو التمسك الحازم باستقلالنا الوطنى، وحرية إرادتنا، وسيادتنا على أراضينا، والدفاع الحازم عن كل ذلك، ورفض أى محاولة للمساس بها بأى صورة من الصور، أو تحت أى حجة من الححج، ويقوم برنامج الحزب فى هذا المجال على المبادئ الآتية:

 *حماية الأمن القومى:
وحماية استقلالنا الوطنى تقتضى توفير كل أسباب الحماية لأمننا القومى فى مواجهة المخاطر والتهديدات التى ينطوى عليها الوضع العالمى الجديد، والاتجاه المتزايد للولايات المتحدة وحلفائها -فى حلف الاطلنطى- الى فرض الهيمنة السياسية والعسكرية على العالم، وهو ما يقتضى رفض الانضمام الى أية أحلاف سياسية أو عسكرية، وعدم السماح بإقامة أية قواعد عسكرية على أراضينا أو استخدام أى جزء منها، أو أستخدام أجوائنا أو مياهنا الأقليمية بواسطة القوات الأجنبية.

* صيانة الاستقلال الاقتصادى:
وحماية استقلالنا الوطنى تقتضى الحرص على صيانة استقلالنا الاقتصادى فى مواجهة المخاطر التى تنطوى عليها سياسات العولمة والهيمنه الاقتصادية، وفى الوقت الذى لا يمكننا فيه أن نغفل عن الرفص التى قد تتيحها لنا تلك الأوضاع والسياسات لتطوير اقتصادنا، ورفع مستوانا العلمى والتكنولوجى، ولا أن ننعزل عن ركب التطور العالمى، فإنه يتعين علينا أن ننتبه لمحاولات فرض الهيمنة والاحتواء الاقتصادى علينا، ولاختراق استقلالنا الوطنى عن هذا الطريق، وفى هذا الصدد فإنه علينا أن نقف بحزم ضد تكبيل بلادنا بالديون الأجنبية التى باتت تثقل كاهلنا -وتستنفذ جزاء كبيرا من مواردنا فى الوفاء بفوائدها وأعبائها، والتى تشكل قيدا على حرية ارادتها وعلى أستقلالنا الاقتصادى، كما يتعين علينا أن نعمل بكل جدية على الخفض المستمر لهذه الديون، فى اتجاه التخلص من أسرها فى أقرب وقت مستطاع.

*توفير الأمن الغذائى:
وحماية أستقلالنا الوطنى، السياسى والاقتصادى، تقتضى منا انتهاج سياسة حازمة لتحقيق الاكتفاء الذاتى فى انتاجنا الزراعى، وفى غذائنا، خاصة بالنسبة للمواد الأساسية، وفى مقدمتها القمح والحبوب، وذلك لتوفير أمننا الغذائى وللخروج من المأزق الخطير الذى وقعنا ومازلنا واقعين فيه، وهو اعتمادنا على المساعدات والمعونات الأجنبية فى توفير خبزنا وغذائنا اليومى، اذ أن من لا يملك خبزه لا يملك حريته.

*حماية الوحدة الوطنية:
إن الضمان الأول لحماية استقلالنا الوطنى، إنما هو الحفاظ على وحدتنا الوطنية، وتعزيز هذه الوحدة باستمرار، ومعارضة أى اتجاه للنيل من هذه الوحدة أو تهديدها أو أضعافها بأى صورة من الصور.
لذلك فعلى الحزب الجديد أن يدعو دائما للحفاظ على علاقات الإخاء والمساواة والمحبة بين عنصرى الأمة من المسلمين والأقباط، وأن يضرب المثل للمواطنين فى إيمانه وتمسكه بهذا المبدأ.

*الدعوة الى التحالف الوطنى:
وكذلك فعلى الحزب الجديد أن يدعو دائما الى ضم صفوف القوى السياسية من الأحزاب والهيئات النقابية وغيرها، وإقامة التحالف الوطنى بينهما حول برنامج عام مشترك للعمل الوطنى، بما يتفق مع المصالح الوطنية العليا، وما يحقق أكبر قدر ممكن من الفاعلية للجهد الوطنى، وعلى الحزب الجديد أن يقيم علاقاته مع الأحزاب الأخرى على أساس البحث عن نقاط الاتفاق بينه وبينها، والعمل على تعميقها وزيادتها، وعلى حصر نقاط الخلاف، زمناقشاتها بالأسلوب الديمقراطى وبطريقة موضوعيه بناءة، وذلك بهدف تضييق شقة الخلاف، والابقاء على العلاقات الودية وتعزيزها بقدر الامكان.

*الموقف من النظام:
ومن أجل ذلك فعلى الحزب الجديد أن يقيم علاقاته وموقفه مع النظام القائم وحكوماته، وقياداته، على أساس موضوعى وبناء، وفى اطار الحرص على الوحدة الوطنية، وفى هذا الاتجاه، عليه ألا يتردد فى دعم وتأييد كل السياسات والاعمال والمواقف والجهود البناءه التى يتخذها هذا النظام، وأن يبذل جهدا مخلصا فى التعاون معها، والعمل على نجاحها، وفى نفس الوقت فان على الحزب ألا يتردد فى نقد السياسات والمواقف الخاطئة من جانب النظام، على أن يلتزم فى ذلك جادة الموضوعية والإنصاف فى معارضته للجوانب السلبية فى تلك السياسات والمواقف والأوضاع، بعيدا عن روح التشهير والعداوة واصطياد الأخطاء، فذلك ما تقتضيه مصالح الوطن والشعب، وما يترك الطريق مفتوحا لتحقيق الوحدة الوطنية متعزيزها.

*بناء القوة الذاتية:
 ومن الضمانات الأساسية لحماية استقلالنا الوطنى بطبيعة الحال، بذل أقصى الجهد فى بناء قوتنا الذاتية فى مختلف المجالاتـ،، سواء فى مجال بناء القوة العسكرية الكافية والمتقدمة والرادعة، أو فى مجال تحقيق التنمية الشاملة وإنجاز الاصلاح السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى، بما يحمينا من الضعف الناتج عن التخلف، وذلك إيمانا منا بأن نتيجة المواجهة التى تحدث بين الأمم والدول انما تتوقف فى النهاية على مدى التفوق الحضارى لأى منها على الآخر.

*الموقف القومى للحزب:
إن على الحزب الجديد أن يضع التوجه القومى العربى على رأس قناعاته الفكرية والسياسية، فالإيمان بوجود الرابطة القومية العربية وبانتماء مصر للأمة العربية، هو جزء أساسى من قناعاتنا، وهو انتماء لا يقوم فقط على الإيمان بوحده الأرض واللغة والأصل التاريخى، والثقافة المشتركة، بل إنه يقوم فضلا عن ذلك على الإيمان بالمصالح المشتركة -المادية والمعنوية التى تحتم على الأمة العربية، فى سائر أقطارها أن تتمسك بأواصرها القومية وأن تعمل على تعزيزها وعلى استكمال وحدتها طال الوقت أو قصره وحتى يحين الوقت لتحقيق الوحده القومية الشاملة، فعلى شعوب هذه الأمة ودولها، أن تعمل على تعزيز أواصر التعاون والتكامل والتضامن فيما بينها، على كافة الاصعده، السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخاصة فى ظل الأوضاع والمتغيرات القائمة فى الساحة الدولية والاتجاه المتزايد لاقامة التكتلات السياسية والعسكرية والاقتصادية الكبيرة، وهو ما يضع الدول والكيانات الصغيرة فى موقف صعب ومحفوف بأشد المخاطر.
كما وأن هذا التوجه القومى العربى هو من أهم الضمانات اللازمة لحماية استقلالنا الوطنى.
ومن ثم فان نجاحنا فى توثيق وتعزيز أواصر التعاون العسكرى والسياسى، والاقتصادى والثقافى، بيننا وبين أمتنا العربية، على اختلاف أقطارها، وتدعيم آليات هذا التعاون وفى مقدمتها الجامعة العربية، هو فى مقدمة واجباتنا الوطنية والقومية، وعلينا فى هذا السبيل أن نبذل أقصى الجهد لاستكمال هذه الآليات، وخاصة باقمة محكمة العدل العربية، وآلية فض المنازعات بين الدول العربية، فى إطار الجامعة العربية، كما أن علينا أن نبذل غاية الجهد للتعجيل باقمة السوق العربية المشتركة وأستكمال آلياتها ومقوماتها فى أقرب وقت مستطاع.

*تعزيز علاقات مصر مع الدول والشعوب الإسلامية والإفريقية ودول عدم الانحياز:
 يعتبر العمل على تعزيز علاقات بلادنا -شعبا وحكومة- مع الشعوب والدول الإفريقية والإسلامية، ومع شعوب ودول عدم الانحياز، من أهم العوامل المساعدة على حماية استقلالنا الوطنى، وتحقيق مصالحنا الوطنية، فى مختلف المجالات، وعلى الحزب الجديد أن يبذل جهده، بكل ما يتاح له من الوسائل، من أجل تعزيز وتطوير هذه العلاقات.

*نحو سياسة خارجية رشيدة وبناءة:
إن التزام بلادنا بسياسة خارجية رشيدة وبناءة، هو من أهم الضمانات لحماية استقلالنا الوطنى، وتحقيق مصالحنا الوطنية، وفى هذا الاتجاه، فإن على الحزب الجديد أن يؤيد سياسة الحرص على إقامة العلاقات الودية الطبية بين مصر وبين سائر الدول والشعوب، وأن يعمل على تحقيق التعاون الفعال بيننا وبينها، على أساس من الندية والاحترام المتبادل، وتبادل المصالح، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، وذلك وفقا لمبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة.

*الموقف من إسرائيل، والقضية الفلسطينية:
يؤمن الحزب الجديد بأن إقامة دولة إسرائيل كانت خطأ بل جريمة تاريخية فى حق الأمة العربية كلها، وفى حق الشعب الفلسطينى بصفة خاصة، كما أنه يمثل انتهاكا فاضحا لمبادئ العدلة، وقواعد القانون الدولى الذى لا يجيز العدوان على الدول والشعوب واحتلال وانتزاع أراضيها، كما يؤمن الحزب بأن دولة إسرائيل -مهما زاد تسليحها وقدراتها العسكرية- ليست دولة مؤهلة للاستمرار والبقاء، وذلك بحكم طبيعتها العنصرية، وتكوينها الطائفى، واتجاهاتها العدوانية، ما لم يحدث تغيير جوهرى فى طبيعتها، فتقلع عن سياستها العدوانية نحو جيرانها العرب، وتتوجه الى طريق المسالمة الحقيقية، وإلى التعاون البناء معهم لما فيه خير الجميع، وفى هذه الحالة فقط، وفى ظل وضع عالمى أكثر أحتراما لمبادئ العدالة الدولية، والديمقراطية، وحقوق الانسان، قد يمكن التوصل الى تعايش سلمى طويل الأمد بين أسرائيل، وبين الأمة العربية.
إن القرار الصادر من مجلس الأمن سنة 1947 بتقسيم فلسطين، كان ومازال، أفضل الحلول السيئة للمشلكة الفلسطينية، كما أنه كان وما زال هو المرجع القانونى لإنشاء الدولتين العربية، واليهودية.
وهو بذلك يعتبر أفضل الحلول، التى يمكن القبول بها لتلك المشكلة، وهذا هو رأينا وموقفنا الأساسى فى هذا الشأن.
ومع ذلك كله، فإننا كنقطة بداية للسير فى طريق الحل السلمى للصراع العربى الاسترائيلى، نؤيد كل جهد صادق على النطاق الوطنى أو الإقليمى أو الدولى، فى اتجاه التوصل الى حل عادل وشامل لذلك الصراع، والحد الأدنى الذى يمكن القبول به فى هذا الشأن، هو جلاء اسرائيل عن كافة الأراضى التى احتلتها سنة 1967، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة فى كامل الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها القدس العربية، مع عودة اللاجئين الفلسطينين وتعويضهم، ومع الجلاء الكامل عن هضبة الجولان السورية والجنوب اللبنانى المحتمل.

*فى مواجهة الخطر الاسرائيلى:
 وفى معرض الحديث عن حماية استقلالنا وأمننا الوطنى والقومى، فاننا لا نستطيع أن نغمض عيوننا عن الخطر الجسيم المتمثل فى التهديد الاسرائيلى الجسيم، والمتصاعد، لأمننا الوطنى والقومى، نتيجة للتنامى المتزايد للقدرات العسكرية الأسرائيلية، بما فى ذلك التسليح النووى والكيماوى والبيولوجى المستند أساسا الى الحماية والمساعدة الأمريكية، مع تمادى اسرائيل المستمر فى سياستها العدوانية على الشعب الفلسطينى، وعلى الشعبين السورى واللبنانى الشقيقيين، بل أنه لا يمكننا الاطمئنان الى النوايا الأسرائيلية نحو مصر، مهما قيل أو يقال عن مدى التزامها نحو السلام معنا بموجب اتفاقية كامب ديفيد.
وفى مواجهة هذا الخطر، فلابد من الالتزام بسياسة حذره واعية، تقوم على توفير كل العناصر والمقومات السياسية العسكرية اللازمة لردع ومجابهة واحباط احتمالات العدوان الاسرائيلى، وتوفير الضمانات الذاتية والقومية والدولية لأمننا الوطنى والقومى.
وفى هذا الاتجاه، فلابد من بناء موقفنا السياسى من اسرائيل على أسس واقعية وصحيحة فى نفس الوقت، وتقوم سياسة الحزب فى هذا الشأن على ما يأتى:
- يلتزم الحزب بالموقف الذى استقرت عليه كل القوى الوطنية المصرية، وهو الالتزام بمعاهدة السلام المصرية الاسرائيلية، باعتبارها أمرا واقعا فرضته الظروف التاريخية التى وقعت فى ظلها هذه المعاهدة، بصرف النظر عن سلبياتها الناشئة عن إبرامها فى ظل تلك الظروف.
- وفى نفس الوقت، فأن على الحزب أن ينبه الى خطورة التهديد الدائم الذى تمثله السياسة الاسرائيلية الراميه دائما الى التوسع والعدوان، كما تمثله المبادئ والعقائد الصهيوينة القائمة على الروح العنصرية والعداء السافر للأمة العربية، وهو ما ينطوى عليه الشعار المعلن للصهيونية العالمية -والداعى الى إقامة دولة اسرائيل (من النيل الى الفرات)، ولذلك فانه يتعين علينا على المستوى المصرى وعلى المستوى العربى، أن نكون على أتم الحذر من النوايا العدوانية الاسترائيلية وأن تتخذ كل الوسائل المتاحة لمواجهتها.
- وعلى الحزب أن يلتزم بالموقف الذى أجمعت عليه جماهير شعبنا، وكل القوى الموطنية المصرية والعربية بالنسبة لمسألة تطبيع العلاقات مع اسرائيل، وهو موقف المعارضة الحازمة لهذا التطبيع، طالما ظلت اسرائيل على موقفها العدوانى بالنسبة للشعب العربى الفلسطينى واحتلالها لأراضيه، وللأراضى السورية واللبنانية.

بالنسبة للنظام العالمى: يؤمن الحزب بأن على مصر أن تقف الى جانب الدعوة الى إقامة نظام عالمى جديد أكثر عدالة وديمقراطية واتفاقا مع مصالح كل الشعوب، نظام لا يسمح بهيمنة دولة واحدة أو عدد من الدول على مصائر البشرية كلها، ولا يعمل لصالح الدول الأقوى أو الأكثر غنى أو تطورا على حساب بقية الدول والشعوب، 
-لذلك علينا أن نؤيد الدعوة الى تعديل ميثاق الأمم المتحدة لتطويره ف هذا الأتجاه، بما فى ذلك توسيع نطاق العضوية الدائمة فى مجلس الأمن الدولى لجعله أكثر تمثيلا لغالبية الدول والشعوب، ومراجعة الموقف من حق الفيتو، إما لإلغائه أو لوضع مزيد من الضمانات لمنع سوء استعماله واتخاذه وسيلة لاهدار الإدارة الدولية وشل فاعليتها فى فرض مبادئ العدالة الدولية.
- وعلينا أن نؤيد الدعوة الى تحقيق نزع السلاح على المستوى العالمى، على نحو أكثر جديد وفاعيلة وخاصة أسلحة الدمار الشامل، النووية والكيماوية والجرثومية، وغيرها، والى تعزيز دور الأمم المتحدة فى ذلك، وعلينا أن نؤيد العمل على دعم الأمم المتحدة، وزيادة قدرتها على القيام بواجباتها فى مختلف المجالات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية، وفى مجال حماية البيئة على نحو أكثر شمولا وفاعيلة.

ثانيا: موقف الحزب من قضية الديمقراطية:
والمبدأ الثانى من مبادئ الحزب هو إيمانه الحاسم بالديمقراطية.
 وكما يتضح مما تقدم فإن الحزب الجديد يؤمن إيمانا راسخا بأن المهمة الجوهرية، والاكثر الحاحا، القائمة على رأس أى برنامج جدي للعمل الوطنى، أنما هى مهمة العمل على إنجاز تحول ديمقراطى شامل وعميق، فى مختلف نواحى حياتنا السياسية، والإقتصادية، والإجتماعية، والثقافية، ذلك لأن إنجاز هذا التحول، هو الشرط الرئيسى لتحقيق أى اصلاح حقيقى فى أى ناحية من النواحى.
- قصية الديمقراطية، قضية متكاملة:
 إن هذه المهمة لا يمكن إنجازها، بالمقولات اللفظية، أو بمجرد الأدعاءات، كما لا يمكن إنجازها بالإصلاحات الجزئية أو السطحية، وكل حديث عن تحقيق إصلاح إقتصادى، أو ثقافى -حقيقى- فى معزل عن العمل الصادق والفعال على إنجاز التحول الديمقراطى المطلوب، سوف يكون بمثابة البناء على الرمال، وسوف تذهب معظم الجهود المبذولة فيه أدراج الرياح، فالإصلاح الحقيقى لا يمكن إنجازه الا بمشاركة إيجابية فعالة من جانب الجماهير الشعبية الواسعة، عن حرية واقتناع، سواء فى رسم سياساته، أو فى تنفيذ خططه وبرامجه، أو فى الرقابة على تطبيقها وحمايتها من عناصر الهدم والتخريب، أو من عواقب قصور البيروقراطية وعجزها، أو ما يشييع فيها من الإنتهازية والفساد.
- تحقيق الديمقراطية السياسية، هو الحلقة الرئيسية:
 إن الحلقة الرئيسية فى تحقيق هذا التحول الديمقراطى الشامل والعميق، إنما هى إنجاز الديمقراطية السياسية الحقيقية، وهو ما يقتضى الرجوع الى نقطة البداية، ووضع دستور جديد، يختلف اختلافا جوهريا عن الدستور الملفق والقائم حاليا، دستور ديمقراطى حقيقى يتم وضعه عن طريق جميعة تأسيسية يتم تشكيلها بالانتخاب الحر المباشر.

*نقطة البداية، هى وضع دستور جديد:
 والدستور المطلوب يتعين أن يقوم على أساس انتخاب رئيس الجمهورية انتخابا حرا مباشرا يباح فيه الترشيح لمن يشاء، وعلى أساس تحقيق التوازن بين السلطات بدلا من تركيز كل السلطة، أو معظمها، فى يد رئيس الجمهورية، أو فى يد السلطة التنفيذية، على حساب السلطتين التشريعية والقضائية كما هو ماثل فى الدستور الحالى، دستور يقوم وفقا لمبادئ الجمهورية البرلمانية، وتقرير المسئولية الوزارية للحكومة أمام البرلمان.
دستور يقوم على تأمين كافة الحقوق الديمقراطية والحريات العامة والخاصة وحقوق الانسان التى كلفتها الأديان والشرائع السماوية والوضعية، كما أكدتها المواثيق العالمية الحديثة، وعلى إطلاق حق تكوين الأحزاب والجمعيات، وحرية العمل النقابى، وحق اصدار الصحف وضمان حريتها، وحرية العبادة والفكر، والرأى، والقول، والكتابه، والاجتماع، والاضراب، والتظاهر السلمى.

-ضرورة انهاء العمل بالأحكام العرفيه، والغاء كافة القوانين الاستثنائية:
 على أن وجود هذا الدستور فى حد ذاته لا يكفى لضمان اقامة الحياة الديمقراطية الحقيقية اذ لابد لذلك من توفير الضمانات الكافية لحسن تطبيقه، وعلى اشاعة المناخ الديمقراطى الصحى فى حياتنا السياسية، وفى هذا السبيل، فإنه يتعين اتخاذ موقف حاسم ونهائى من تلك الظاهرة الغربية، والمتمثلة فى استمرار فرض الأحكام العرفية على البلاد بصورة تكاد تكون دائمة، ومهما قيل فى تبرير فرض هذه الأحكام، من الزعم بأنها لا تستعمل فى قمع الشعب أو الحد من الحريات، فإن الواقع العملى يؤكد أن مجرد قيامها يؤدى، من الوجهة النفسية والسياسية، الى الحد الشديد من الممارسة الديمقراطية الحقيقية، وكذلك الحال بالنسبة لترسانة القوانين الاستثنائية المفروضه على البلاد، مثل قانون الوحدة الوطنية، والسلام الاجتماعى، والصحافة، والأحزاب، والجمعيات، والرقابة، وغيرها من القوانين التى تكبل حقوق الشعب وحرياته بالقيود الثقيلة، وهو ما يجعل المطالبة برفع الأحكام العرفية بصورة عاجلة ونهائية، والغاء كافة القوانين الاستثنائية، مطلبا ديمقراطيا جوهريا لا غنى عنه.
وفى هذا الاتجاه لابد من تطوير دور المحكمة الدستورية العليا لتكون قادرة على حماية الدستور الجديد وضمان تطبيقه، كما لابد من مراجعة العديد من القوانين المتصلة بالتطبيق الديمقراطى، وفى مقدمتها قانون الانتخاب.

-ضرورة وضع الضمانات الكافية لتأمين حرية الانتخابات، ولمنع الاعتداء على الحريات وحقوق الانسان:
 وذلك بسن التشريعات اللازمة لتحقيق الرقابة القضائية الكاملة على عملية الانتخابات فى مختلف مستوياتها، وتشديد العقوبات على جريمة تزوير الانتخابات أو التدخل فى حرية الناخبين، وعلى جرائم التعذيب والمساس بحقوق الانسان.

-نحو إشاعة الديمقراطية فى مختلف نواحى حياتنا:
 ان التحول الديمقراطى المطلوب، حتى يكون شاملا وعميقا لابد أن يتطرق الى مختلف نواحى حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما يقتضى الى جانب اطلاق الحريات العامة -مراجعة الكثير من القوانين لازالة ما بها من قيود على تلك الحريات والحقوق- وفى مقدمة تلك القوانين: قوانين العمل والنقابات العمالية والمهنية وغيرها، قوانين الأحوال الشخصية، وغيرها من القوانين المتصلة بالمجالات الاجتماعية المختلفة، والقوانين المتصلة بالمجالات الثقافية المختلفة، كقانون الصحافة، والرقابة، والنشر، والنقابات الفنية وغيرها.
والهدف من ذلك كله، هو اشاعة الروح والتقاليد وأسلوب الحياة الديمقراطية فى مختلف نواحى حياتنا، بما يكفل تحرير الانسان المصرى وكل المعوقات التى تعرقل طاقاته وقدراته على الانطلاق فى مجالات الحياة والعمل والابداع وذلك وحده هو الطريق لمواجهة العالم المتطور الذى نعيش فيه، وملاحقته والتكيف معه.

ثالثا: موقف الحزب من قضية التخلف وقضايا التنمية الشاملة:
 -الجذور الحقيقية للتخلف:
 يرى الحزب أن خضوع مصر طويلا للسيطرة الاستعمارية سواء فى ظل الاحتلال، التركى، أو الانجليزى، خضوعها الطويل للاستبداد والحكم المطلق، وكذلك فإن خضوعها الطويل للاستغلال والنهب الاقتصادى، الأجنبى والمحلى، وما أدت اليه تلك العوامل من القهر والتخريب والاستنزاف للموارد والطاقات، كل ذلك قد دفع بها -وهى مهد الحضارة- الى السقوط فى وهدة التخلف الاقتصادى والاجتماعى والثقافى.
ورغم كل الجهود التى بذلت، والأصلاحات التى تحققت فى فترات مختلفة من تاريخنا الحديث، على مدى قرنين من الزمان، سواء على المستوى الحكومى أو الأهلى، فإن مصر لم تخرج بعد من دائرة التخلف الحضارى، السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى، بما يلحقها بركب الدول المتقدمة، رغم ما يتوافر لها من المقومات المادية والبشرية لتحقيق ذلك، وهذا هو الواقع الذى يتعين علينا أن نعترف به، والذى يتمثل حولنا فى مختلف حقائق حياتنا وصورها.
 -حماية الاستقلال الوطنى، وتحقيق الديمقراطية، هما الطريق الأساسى للخروج من دائرة التخلف:
 واذا كان السبب الرئيسى لهذا التخلف هو الاستعمار والاستبداد والاستغلال، فإن حماية استقلالنا الوطنى وحرية إدارتنا، وتحقيق التحول الديمقراطى الشامل والعميق، هما الشرطان الجوهريان للخروج من دائرة التخلف ولإحراز التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى الحاسم.
-موقف الحزب من قضية التنمية الاقتصادية:
 يرى الحزب الجديد أننا فى حاجة ماسة الى مراجعة شاملة، والى مواجهة صادقة وأمينة، لحقائق وضعنا الاقتصادى ومشكلاتنا المعقدة والمتشابكة فى هذا المجال، فرغم كل ما قيل، ويقال عن الإصلاح الإقتصادى الذى تحقق خلال حكم الرئيس حسنى مبارك، وخاصة خلال السنوات العشر الماضية، ورغم كل المشروعات الاقتصادية الكبيرة المتعددة التى قامت بها الدولة أو التى قام بها القطاع الخاص خلال تلك السنواتن ورغم أننا لا نريد أن نغمط فضلا أو ننكر جهدا لأحد، فإن هناك العديد من الشواهد التى تحول بيننا وبين الاطمئنان الى سلامة أوضاعنا الاقتصادية، بل والى سلامة الكثير من تلك المشروعات.
-حول الظواهر السلبية فى أوضاعنا الاقتصادية:
 وكيف يمكن الاطمئنان الى صحة ما يقال عن الاصلاح الاقتصادى بينما نحن نرى الكثير من العوامل الداعية الى الشك فى ذلك؟
من ذلك ما ترزح تحته بلادنا من الديون الأجنبية، بكل ما فى ذلك من دلالات، ومن ذلك هذا الخلل الملموس والمتزايد، فى الميزان التجارى وفى ميزان المدفوعات، والتفاقم المستمر لظاهرة زيادة وارداتنا، أضعافا مضاعفة، على صادراتنا، ومن ذلك تصاعد حالة التضخم وانخفاض القيمة الشرائية للنقود، وما يؤدى اليه ذلك من الآثار الاقتصادية والأجتماعية السيئة، ومن ذلك تفاقم البطالة وتضاؤل فرص السكن بكل ما يترتب على ذلك من آثار وخيمة.
وفى كل ذلك ما يدعونا الى التوقف أمام قضية التنمية الاقتصادية، والى إبداء العديد من التحفظات والملاحظات على النهج القائم حاليا فى مواجهة هذه القضية، والتى يمكن تلخيصها فى الآتى:
الإفتقار الى الوضوح والشفافية: فيما يتصل بحقائق الأوضاع الاقتصادية القائمة، وفى مدى صحة الأرقام والبيانات التى تنشر وتذاع فى هذا المجال، فكثيرا ما تكون هذه البيانات والأرقام قاصرة أو غامضة أو متضاربة، مما يفقدها عنصر الثقة والمصداقية الى حد بعيد، ومثال على ذلك: الأرقام الخاصة بالديون الخارجية والداخلية، والموازنة العامة والميزان التجارى وميزان المدفوعات، وتكلفة المشروعات الأقتصادية ومشروعات البنية الأساسية، وغير ذلك، مما يحيط هذه الأعمال والمشروعات بقدر كبير من التعتيم ويحول بين الرأى العام وبين متابعتها وتحقيق الرقابة عليها على نحو صحيح.
إن الالتزام بالوضوح والشفافية فى هذا المجال الحيوى، هو أمر بديهى وجوهرى الى أقصى حد، وهو الأرض الصلبة التى يمكن أن تقام عليها خطة الاصلاح الاقتصادى الحقيقى والتى تتيح الفرصة لمتابعتها وممارسة الرقابة عليها، وبدون ذلك لا يمكن تقييم هذه الأعمال أو الخطط أو المشروعات تقييما حقيقيا وصحيحا.
غلبة الارتجال والنفراد باتخاذ القرارات الخاصة بهذه المشروعات: وعدم إخضاعها للدراسات العلمية والاقتصادية الكافية، وعدم اتاحة الفرصة لبحثها ومناقشتها على نطاق فنى أو سياسى أوشعبى واسع، وهو ما من شأنه أن يزعزع الثقة فى سلامة هذه المشروعات والقرارات، وفى حقيقة جدواها الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما يحيط بالكثير من هذه المشروعات الكبيرة التى أعلن عنها أو التى نفذت أو التى يجرى تنفيذها حاليا، ومثال ذلك، مشروع توشكا العملاق بكل ما أثير حوله من تساؤلات وشكوك فى مدى صحته وجدواه، فنيا، واقتصاديا، ومشروع شرق التفريغه وشمال خليج السويس الخ، هذا فضلا عن مشروعات مترو الانفاق والصرف الصحى الكبيرة، وكل هذه المشروعات يتم اتخاذ القرار فيها وتنفيذها، دون إيضاح كاف لمدى أولويتها وجدواها، ومدى كفاية الدراسات الفنية والاقتصادية الخاصة بها.
وهذا الأسلوب العسكرى فى اتخاذ مثل هذه القرارات لا يتفق مع حجمها ومدى أهميتها، ومع عظم تأثيرها على حاضر مصر ومستقبلها الاقتصادى والسياسى.
التمادى فى سياسات الخصخصة وتصفية القطاع العام: ويبع وحداته بصورة متسرعة وبأقل الأسعار وبطريقة شبه سرية فى كثير من الحالات، وهو ما أثار ويثير الكثير من التساؤلات والشكوك حول سلامة هذه السياسة، وحول سلامة تنفيذها.
وفى الوقت لذى نؤيد فيه الجهة الرامى الى مكافحة عوامل العجز والقصور والفساد التى انتشرت فى القطاع العام، والتى كانت الدوله -بسياساتها فى إدارة هذا القطاع وفى سؤ اختيار قياداته- هى المسئول الأول عما ساده من العجز والفساد، فإننا نعارض السياسات القائمة الآن والرامية الى التخلص منه دون رويه، ودو دراسة كافية، ويغير حرص حقيقى على مصالح الشعب، وهو ما يشبه سياسة قتل المريض بدلا من علاجه.
التمادى فى الأخذ بسياسات اقتصاد السوق: 
ومن ثم تقليص دور الدولة فى الحياة الاقتصادية، وذلك انسياقا وراء سياسات الدول الكبرى، والمؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، والدوائر الرأسمالية العالمية، وهو ما من شأنه -على المدى البعيد- الحاق أضرار جسيمة باقتصادنا الوطنى، وبسلامة البنية الاجتماعية فى بلادنا، وبمصالح الأغلبية الساحقة من أبناء شعبنا من الفئات الكادحة والمتوسطة، كما أن من شانه على المدى البعيد، تعريض أمننا الاقتصادى والسياسى للخطر.
وفى الوقت الذى نرى فيه أن التمشى مع سياسات اقتصاد السوق، هو أمر حتمى وأن له جوانبه الايجابية، فإننا نرى ضرورة المحافظة على استمرار الدور الفعال للدولة فى الحياة الاقتصادية، سواء من خلال اضطلاعها بمهمة التخطيط والرقابة والتوجيه لكافة أوجه النشاط الاقتصادى، أو من خلال استمراراها فى القيام بالمشروعات الاقتصادية الكبرى والحيوية وادارتها كلما دعت الضرورة أو المصلحة العامة الى ذلك، أو كلما قصرت قدرات القطاع الخاص وطبيعته عن القيام بتلك المشروعات او إدارتها على النحو المطلوب.
التمادى فى فتح الباب على مصراعية
لرأس المال الاجنبى للاستثمار فى مصر:
وذلك دون مراعاة للمصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد، ودون الالتزام بالضوابط الضرورية لضمان الامن السياسى والاقتصادى.
إضعاف الدور القيادى للدولة فى الحياة الاقتصادية:
 وفى إدارة المرافق والمشروعات الاقتصادية -الإنتاجية والخدمية- ذات الاتصال الوثيق بحياة ومصالح الجماهير الشعبية- والاتجاه المتزايد الى ترك تلك المجالات لسيطرة رأس المال، الخاص المصرى، أو الاجنبى.
الحاجة الى التخطيط الاقتصادى المتكامل:
 إن تحقيق الاصلاح الاقتصادى المتكامل والفعال، يقتضى انتهاج سياسة ثابته تقوم على التخطيط والتوجيه الاقتصادى المتكامل، ويحتاج إلى مجموعة متتابعة ومتكاملة من الخطط الطويلة المدى القائمة على الدراسة العلمية الجدية، وعلى دراسات الجدوى الحقيقية، وعلى المشاركة الشعبية الواسعة فى كل ذلك.
وواضح أن ذلك لا يمكن القيام به الا بتحقيق الانعطاف الحاسم نحو اقامة الديمقراطية الشاملة والعميقة، وإشاعتها فى كل نواحى حياتنا.

رابعا: الموقف الاجتماعى للحزب وتوجهاته الاساسية فى قضايا الاصلاح الاجتماعى:
 يصدر الحزب فى تحديد موقفه الاجتماعى، وتوجهاته فى قضايا الإصلاح الاجتماعى، عن إيمانه العميق بمبادئ العدالة الاجتماعية، والتكافل الاجتماعى، تلك المبادئ التى تمثل الجوهر الحقيقى للأديان والشرائع السماوية، والتى تتفق مع القيم والتقاليد الأصيلة التى استقرت فى وجدان شعبنا على مر الأجيال.
ويؤمن الحزب بان الاشتراكية هى الصياغة العصرية لمبادئ العدالة والتكافل الاجتماعى، ولذلك فهو يلتزم بالموقف الاشتراكى، بمفهوماته الديمقراطية، وفى إطاره الإنسانى، فى تحديده لموقفه الاجتماعى، ولتوجهاته فى مختلف قضايا الاصلاح الاجتماعى.
إن بلادنا فى حاجة ماسة الى إصلاح اجتماعى، شامل وجذرى، ليس فقط باعتبار ذلك ضرورة ماسة لرفع المعاناة عن الأغلبية الساحقة من أبناء شعبنا التى ترزح تحت وطأة المشكلات العديدة الصعبة، وإنما أيضا لأن هذا الاصلاح الاجتماعى بات شرطا جوهريا للخروج من دائرة التخلف، ولإحراز أى تقدم حقيقى على طريق النهضة الشاملة، ويرتكز موقف الحزب الجديد من قضية الاصلاح الاجتماعى على الاسس والمبادئ الآتية:
 (1) اعتبار ان الانسان هو محور أى إصلاح سياسى أو أقتصادى، وأن رفع مستواه المادى والأدبى، ورفع المعاناة عنه، هما الهدف النهائى لهذا الاصلاح.
 (2) ويترتب على ذلك ضرورة مراعاة البعد الاجتماعى فى أى سياسة أو خطة للاصلاح الاقتصادى، وعند القيام باى مشروع، وذلك لضمان عدم مسامها بمصالح الطبقات والفئات الفقيرة والمتوسطة.
 (3) كما يترتب على ذلك ضرورة مراعاة البعد الاجتماعى فى توزيع الاعباء العامة على المواطنين، وتخفيف تلك الاعباء عن كاهل الطبقاتوالفئات الفقيرة والمتوسطة وخاصة فيما يتعلق بالضرائب المباشرة وغير المباشرة.
 (4) التصدى الحاسم لحل المشكلات الاجتماعية الحادة والمتفاقمة، كمشكلة البطالة، وضرورة وضع خطة عاجلة وشاملة لتوفير المساكن الصحية اللائقة لكل المواطنين، والقضاء على ظاهرة التشرد وسكن العشوائيات، فى المدن والريف، وسكنى المساجد والمدافن وغير ذلك من حالات إلاسكان غير الإنسانى.
 (5) العمل على توفير الخدمات الاساسية للجماهير الفقيرة والمتوسطة، وفى مقدمتها خدمات التعليم، والرعاية الصحية، والاجتماعية والثقافية، وخدمات النقل والمواصلات والنظافة، والعمل على رفع مستوى هذه الخدمات، مع تخفيض تكاليفها بما يتناسب مع قدرة الجماهير الفقيرة والمتوسطة، ورفعها تماما عن غير القادرين.
 (6) توفير خدمات مياه الشرب النقية، والكهرباء، والصرف الصحى، لكل المناطق السكنية بالمدن والريف وتحسين مستواها، مع الاتجاه الى خفض أسعارها بما يتناسب مع قدرات الفئات الفقرية من الشعب.
 (7) العمل على تحقيق التناسب بين مستوى الاجور ومستوى الاسعار، وذلك بالاتجاه الى رفع هذه الاجور، والى خفض اسعار السلع والخدمات الاساسية وتحقيق الرقابة الفعالة على تلك الاسعار، وحماية للمستهلكين من الجشع والاستغلال.
 (8) مراجعة سائر التشريعات المتصلة بالنواحى الاجتماعية، مثل تشريعات العمل والتأمينات، ونظام الأسرة وغيرها، فى اتجاه توفير الحماية الكافية لمصالح العمال والفلاحين، والمرأة، والطفل، والعمل المتواصل على رفع مستواهم المادى والادبى.
 (9) اعطاء اهتمام خاص لتوفير مزيد من الرعاية للأمومة، والطفولة، والمسنين، وذوى الاحتياجات الخاصة، والارتفاع بمستواهم الصحى، والمادى، والمعنوى، والعمل على رفع معاشات العجز والشيخوخة والوفاء، وتيسير الحصول عليها.

ان صفحات هذه الرسالة لا يمكن بطبيعة الحال ان تتسع لذكر كل نقاط البرنامج للحزب الجديد، ولذلك فإننا نكتفى من ذلك بالنقاط التى تقدم ذكرها، اعتمادا على ما أوضحناه سابقا من أن توجيهات الحزب فى القضايا الاجتماعية، وسوف تنطلق من التزامه بالمبادئ الاشتراكية بتطبيقاتها الديمقراطية وفى اطارها الانسانى، ومن سعيه الدائم لوضع هذه المبادئ موضع التطبيق.

خامسا: نحو نهضة ثقافية شاملة:
 يؤمن هذا الحزب بأن الخروج بالبلاد من دائرة التخلف، والحاقها بركب الحياة المعاصرة، وتأهيلها لمسايرة المستقبل بكل ما يحمله من تطور وتحديات لا يتوقف على النهوض بها من النواحى المادية فحسب، بل يتوقف أيضا بدرجة لا تقل عن ذلك، على النهوض بها من النواحى المعنوية أيضا.
وفى مقدمة هذه النواحى تحقيق نهضة ثقافية عميقة الغور، واسعة النطاق، وتعتمد توجيهات الحزب فى هذا الشأن على تحقيق الأهداف الآتية:
 (1) القضاء على الأمية فى أسرع وقت مستطاع:
 فالحزب يؤمن بأن الجهود التى بذلت لمكافحة الأمية فيما قبل ثورة يوليو سنة 1952 وما بعدها، لم تتسم بالجدية أو الفاعلية الكافية، ولذلك فقد ظلت وصمة الأمية عالقة بجبين مصر، وعائقة لتطورها، ولا يمكن تحقيق أى إصلاح جذرى فى حياة البلاد السياسية أو الأقتصادية أو الأجتماعية، بل لا يمكن توفير المتطلبات العصرية اللازمة للدفاع عن أمنها القومى، وعلى الوجه الذى تتطلبه التديات القائمة، إذا ما ظل نصف شعبنا أميا لا يقرأ ولا يكتب، لذلك فإن الحزب الجديد يدعو إلى تحقيق انعطاف حاسم فى العمل على محو وصمة الأمية من جبين مصر فى أسرع وقت ممكن.
ويرى الحزب أن الجهد الحكومى لا يكفى لتحقيق ذلك، وانه لابد من خطة قومية، يشترك فى وضعها الخبراء المتخصصون من كل الاتجاهات وتشارك فى تنفيذها كل الأحزاب والنقابات والجمعيات، وكل الأجهزة الحكومية والوحدات الاقتصادية، ووحدات القوات المسلحة، كل فى دائرة نشاطه وفى حدود قدراته، بل ويشارك فيها كل مصرى قادر على العطاء فى هذا المجال، ويعتبر الحزب أن درجة الحماس والجدية فى هذه المشاركة، ينبغى أن تكون دليلا على مدى الانتماء الوطنى والإخلاص لمصالح الشعب.
 (2) الإصلاح الشامل والجذرى للتعليم:
 يؤمن الحزب بأن نقطة البدء فى تحقيق النهضة الشاملة فى مختلف جوانب حياتنا ومن أجل الخروج من دائرة التخلف، واللحاق بركب العصر، والإعداد لمسايرة التطور العالمى فى المستقبل، هى تحقيق نهضة شاملة وعميقة فى المجال التعليمى، وذلك بالتوسع فيه بما يلبى إحتياجات كل ابنائنا وبناتنا فى سن التعليم، والإرتقاء بمستواه من كل الوجوه، بما يتفق مع مستويات التطور العلمى والفنى، واحتياجات العصر، ويتضمن ذلك ما يلى:
_ رفع شأن المدرس، الذى هو العنصر الأساسى فى العملية التعليمية، والأرتقاء بمستواه المادى والأدبى، والعمل المستمر على إعداده وتطويره علميا ومهنيا، بما يمكنه من القيام برسالته الحيوية على أحسن صورة ممكنة.
_ تحديث المناهج التعليمية، بما يتفق مع الثورات العلمية والتكنولوجية وثورة المعلومات والاتصالات التى تجرى الآن على قدم وساق، فى الساحة العالمية، والتى يتزايد إيقاعها يوما بعد يوم.
_ زيادة عدد المدارس، بما يتناسب مع الزيادة المستمرة فى عدد السكان، وبما يتيح الفرصة لإيجاد مكان مناسب لكل أبنائنا وبناتنا الذين يصلون إلى سن التعليم.
_ تحسين أحوال المدارس وتزويدها بالإمكانيات المادية والأجهزة الحديثة، بما يمكنها من القيام برسالتها التعليمية والتربوية على نحو يتفق ومقاييس العصر، بما فى ذلك تزويدها بالإمكانيات والوسائل اللازمة لتوفير الخدمات الرياضية، والثقافية وغيرها.
_ الارتفاع بمستوى التعليم لجامعى، وتوفير الإمكانيات المادية الكافية لقيامه بوظيفته على أحسن وجه، والارتفاع بمستوى برامجه، والحرص على حماية التقاليد الجامعية وتوفير المناخ الديمقراطى، وحرية الفكر والبحث العلمى، فى الحياة الجامعية.
_ العمل على توفير الوسائل والقنوات الأخرى الموازية والمساعدة للمدارس والجامعات فى تقديم الخدمة التعليمية، مثل الصحافة، والأذاعة والتليفزيون، وغيرها.
 (3) نحو تحقيق نهضة شاملة فى المجالات الثقافية المختلفة:
 وذلك من خلال العمل على تحقيق التطور فى مجالات العمل الثقافى، مثل النشر والسينما والمسرح، والفنون التشكيلية، والمسرحية، واعتبار ذلك من الأمور الضرورية لتحقيق النهضة فى مختلف جوانب حياتنا، ويرى الحزب أن تحقيق نهضة شاملة فى المجالات الثقافية، يقتضى المشاركة الفعالة من جانب الأحزاب، والجمعيات الأهلية، إلى جانب الجهات الحكومية المختصة، فى توفير الإمكانيات اللازمة لنشر هذه الخدمات والارتفاع بمستواها.
كما يرى الحزب أن توفير حرية الفكر والرأى والتعبير، هو الشرط الأساسى لتحقيق هذه النهضة الثقافية الشاملة، ولضمان تطور الحركة الثقافية وازدهارها.
 (6) نحو اصلاح إدارى وقضائى جذرى:
 ان سوء حالة الجهاز الإدارى فى مصر، والذى يشمل كافة فروعه، لهو من أوضح الأدلة على حالة التخلف التى تعانيها البلاد، وليس تدنى مستوى الأداء فى هذا الجهاز، وما يتسم به من ضعف الكفاءة، وما يشيع فيه من البيروقراطية، والمحسوبية والفساد، بالأمر الذى يمكن إنكاره أو المكابرة فيه، وليست حوادث القطارات، وانهيار مئات العمارات -القديمة منها والحديثة- وما يسود حالة الطرق والمرور فى المدن وخارجها من الارتباك، وما ينتشر فيها من حوادث، سوى مجرد أمثلة على ذلك.
وتزداد حالة القضاء فى مصر سواء يوما بعد يوم، فسوء حالة المحاكم، وتكدس القضايا، وبطئ الفصل فيها لسنوات وسنوات، وما يقع فى الكثير من الأحكام من أخطاء وما أخذ يستشرى فى مرفق القضاء من إنحرافات، كل ذلك قد أصبح من الأمور المشهودة والتى لا تحتاج الى دليل.
وتشكل هذه الحالة عقبة كأداء فى وجه أى إصلاح حقيقى لأحوال البلاد، فهى تؤدى إلى تبديد الكثير من الجهود والامكانيات التى تبذل من أجل هذا الإصلاح أولا بأول، فضلا عما تسببه للمواطنين من إحباط ومعاناة، فى تعاملهم مع أى جهة ادارية أو قضائية.
وفى ظل استمرار هذه الحالة، بل وتفاقمها، يصعب تصديق ما يقال عن نجاح عملية الإصلاح الاقتصادى حتى الآن، أو عن إمكان نجاحها فى المستقبل، ولذلك فإن على الحزب الجديد أن يضع هذه القضية فى مقدمة اهتماماته، وأن يرفع الصوت عاليا فى التنبيه لخطورتها، وفى الدعوة الى العمل الفعال لحلها، وعلى الحزب فى هذا المجال أن يعمل على تحقيق ما يلى:
فى مجال الإصلاح الإدارى:
_ إعادة النظر فى الهياكل الإدارية القائمة فى كل وحدات الإدارة، وفى أساليب عملها، وذلك فى ضوء الدراسة العلمية، وبالمقايس الحديثة فى علوم الإدارة ووسائلها، وذلك بهدف تحديث هذه الاجهزة وتطوير قدراتها، وتخليصها من أمراض البيروقراطية والعجز والفساد.
_ توفير الوسائل المادية اللازمة لإصلاح الوحدات الادارية ورفع قدراتها، وتوفير الأبنية والأجهزة الحديثة اللازمة لذلك.
_ مراجعة أوضاع موظفى الإدارة ورفع مستواهم المادى، ومستوى تأهيلهم العلمى للقيام بأعمالهم بصورة أفضل، ومراجعة نظم التعيين والترقية، بهدف رفع مستوى كفاءة الموظفين وتحقيق الرقابة الفعالة على عملهم، والحد من مظاهر الانحراف والفساد المتفشية بينهم الى أقصى حد مستطاع.
وفى مجال الاصلاح القضائى:
 _ مراجعة أحوال القضاة ورفع مستواهم المادى، وإتاحة الفرص والوسائل اللازمة للارتفاع بمستوى تأهيلهم القانونى، والعمل على زيادة عددهم، وعلى خفض عدد القضايا التى تعرض على المحاكم من خلال معالجة أسباب المنازعات وإيجاد وسائل أخرى لحلها، وتحقيق مزيد من الجدية والفاعلية فى الرقابة على صلاحية القضاة.
_ إصلاح حال الاجهزة المعاونة للقاء، مثل الخبراء والطب الشرعى، ومراجعة النظم وأساليب العمل التى تحكم قيامهم بأعمالهم وتخليصها من عوامل العجز والبروقراطية والفساد.
_ مراجعة حال الجهاز الادارى فى المحاكم، من أقلام الكتاب والمحضرين، ورفع مستواهم المادى والعلمى، وتوفير الرقابة على حسن قيامهم بأعمالهم، ومكافحة الانحراف المتفشى فى هذا الجهاز.
_ إصلاح وتحديث مقار المحاكم والنيابات، وتوفير الأبنية والإمكانيات اللازمة لحسن قيامها بأعمالها، وتزويدها بالأجهزة والمعدات الحديثة بما يؤدى إلى رفع مستوى أدائها.
المراجعة الشاملة لترسانة القوانين:
 ترجع الكثير من أسباب التخلف فى حياتنا، ومن معوقات عملية التنمية الشاملة، كما ترجع الكثير من أسباب معاناة الجماهير، إلى كثرة القوانين والتشريعات التى يبلغ عددها عشرات الألوف، والمتراكمة على مر السنوات، والتى يزيد عمر بعضها على قرن من الزمان، والتى أصبحت تشبه الغابة الكثيفة المتشابكة الأشجار والأغصان والفروع، وما يترتب على ذلك من الفوضى والغموض والتضارب والارتباك التشريعى، وهو ما يترك أشد الآثار وأسوأها فى مختلف نواحى حياتنا.
ويحتاج الامر الى وقفة حازمة، بل إلى ثورة حقيقية، لمراجعة هذه الحالة وتصحيحها بصورة جذرية، بل أنه يحتاج الى حركة قومية تحشد لها كل الطاقات والقدرات القانونية والفنية المتخصصة فى مختلف المجالات، من أجل مراجعة هذا الكم الهائل من القوانين والتشريعات، وفرزها وتنقيتها، والخروج من ذلك كله بمنظومة من التشريعات التى تتمشى مع روح العصر، واحتياجات حركة النهضة الشاملة، والتى تتسم بالوضوح والبساطة وسهولة التفسير والتطبيق.
وبدون تحقيق هذا الإصلاح الإدارى والقضائى وهذه الثورة التشريعية، فسوف يظل كل حديث عن تحقيق النهضة الشاملة أو الخروج من دائرة التخلف، مجرد كلام فى الهواء، أو حبر على ورق.
 (7) فى مواجهة الفساد، والجريمة، والإرهاب، والإنحراف الإجتماعى والأخلاقى:
 يلعب الفساد المتفشى فى مختلف نواحى حياتنا دورا هداما شديد التخريب لكل عمليات الاصلاح والتنمية بما يؤدى اليه من تبديد للموارد، وتعويق للجهود، وإشاعة لروح اليأس والأحباط بين الجماهير، وتمثل سياسة الانفتاح الاقتصادى وما يتصل بها من توجيهات ترمى إلى رفع قيود الرقابة والتوجيه عن النشاط الاقتصادى، إلى شيوع ظاهرة الفساد، على ما نشهده من تصاعد مستمر فى عدد وحجم حالات الرشوة، والاختلاس والتربح، والغش التجارى والصناعى، والاستيلاء على المال العام، ونهب أموال البنوك، وغير ذلك من الظواهر المماثلة.
ومن الخطأ الفادح أن نعمد إلى التقليل من حجم هذا الفساد أو التهوين من خطورته تحت أية حجة من الحجج.
وتؤدى ظاهرة الفساد المتفشى فى مختلف نواحى حياتنا الى جانب عوامل الاستبداد السياسى، وضعف وسائل الرقابة الشعبية والجماهيرية، وعوامل الظلم الاقتصادى والاجتماعى وما ينتج عنها من الفقر، والجهل، والبطالة، الى خلق وتشجيع ظواهر الارهاب والجريمة، والكثير من أوجه الانحراف الاجتماعى والأخلاقى، بما يضعف من بينة المجتمع ويعوق من تطوره ويعرقل كل خطط التنمية وجهود الإصلاح، ويدعو الحزب الجديد الى وقفه حازمة لمواجهة كل هذه الظواهر السلبية ومكافحتها وذلك على ضوء الأسس والمبادىء الآتية:
 (1) الإيمان بأن كل هذه الظواهر السلبية هى نتيجة حتمية للخلل الماثل فى مختلف نواحى حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن ثم فأن العلاج الحقيقى، والحاسم لهذه الظواهر، لابد أن يرتبط بعلاج الخلل الماثل فى مختلف هذه النواحى.
 (2) والى جانب ضرورة مواجهة هذه السلبيات بهذا العلاج الجذرى -طويل المدى لأسبابها، فإن علينا فى نفس الوقت أن نقف منها موقفا إيجابيا حازما، وأن نعمل على كشفها ومقاومتها بمختلف الوسائل، وعلينا أن ندعو الجماهير إلى التمسك بمبادئ الشرعية واحترام القوانين، رغم ما قد يشوبها من النواقص والأخطاء.
 (3) كما يرى الحزب، أن الدعوة الى التمسك بالتعاليم الدينية السامية، والقيم الأخلاقية والاجتماعية الفاضلة، والعمل على تربية الأجيال الجديدة على هذه التعاليم والقيم، الى جانب التوعية الوطنية والديمقراطية والاجتماعية والثقافية الفعالة، وعلى اتاحة الفرص أمام الشباب للمارسسة الأنشطة الرياضية والثقافية النافعة، هى من الوسائل الضرورية الفعالة فى مكافحة تلك الظواهر السلبية، والانحرافات الأخلاقية، ولوقايته منها.
 (8) من أجل العمل على حماية البيئة وتحسين ظروفها:
 يضم الحزب الجديد صوته إلى كل الأصوات التى تنبه وتحذر من سوء حالة بيئتنا المصرية، وما أصابها ومازال يصيبها من تدهور بسبب الإهمال الطويل وسوء الاستعمال، واستنزاف الموارد الطبيعية بما فيها الماء والأرض والثروة النباتية والحيوانية، والتلوث الشديد للماء والهواء والغذاء، بما يمثل خطرا جسيما على الصحة العامة، وعلى مستقبل الأجيال الجديدة، كما أنه يعرقل خطط التنمية والإصلاح فى مختلف المجالات.
ويمثل سوء حالة الإسكان، وما يتسم به من أوجه القصور والتخلف سواء فى المدن أو الريف، وانتشار الإسكان العشوائى، وسكنى القبور، والشوارع، يمثل ذلك كله واحداً من أبرز معالم وأسباب هذه الظاهرة، كما يعتبر الزحام الخانق السائد لا فى العواصم والمدن وحدها بل فى القرى أيضا، أحد أهم هذه المعالم والأسباب.
وتمتد مظاهر السلوم العشوائى المدمر للبيئة لتشمل العدوان على المعالم الأثرية والحضارية، والاتجاه المتزايد الى هدم القصور والمبانى ذات القيمة الجمالية والحضارية، واقتلاع الأشجار والحدائق، وتجاهل كل المعايير والاعتبارات الجمالية فى انشاء المبانى -حتى الكبيرة والحديثة منها- جريا وراء الكسب المادى السهل، يؤدى كل ذلك الى تشوية بالغ للبيئة، وافساد للذوق العام، مما تنعكس آثاره السيئة على مختلف نواحى حياتنا وعلى سلوك المواطنين، لذلك فإن الحزب الجديد يلتزم ببذل كل جهوده لاوعية أعضائه وجماهيره، ولتوجيههم لاتخاذ الموقف الصحيح فى هذا الشأن، وحثهم على المشاركة الفعالة فى كل الأنشطة والجهود المبذولة -حكوميا وشعبيا- فى هذا المجال.

سادسا: برنامج الحزب بين النظرية والتطبيق:

إن كل ما تقدم ذكره ليس برنامجا للحزب، إنما هو الاطار الفكرى المقترح له والذى يتضمن أهم المرتكزات والمبادئ التى سوف يقام عليها برنامج الحزب، وتبنى عليها سياساته ومواقفة، وهى معروضه للمناقشة الواسعة من جانب كل العناصر المدعوة للمشاركة فى تأسيس الحزب الجديد، وعلى ضوء نتائج هذه المناقشة، سوف يتم تعديل وتصحيح هذا الاطار.
أما البرنامج التفصيلى للحزب، فلا يمكن وضعه أو صياغته الا بمشاركة واسعة من جانب كل الأعضاء المؤسسين له، وبالمساهمة الفعالة من جانب العناصر والخبرات المتخصصة فى مختلف الموضوعات التى يتصدى لها هذا البرنامج، وعلى هدى ما يتم الاتفاق عليه بشأن هذا الاطار.
وهناك حقيقة جوهرية ينبغى إيضاحها فى هذا المقام، هى أن برامج الأحزاب وشعاراتها المرفوعة، ومهما كانت طيبة، ليست هى المقياس الحقيقى والنهائى للحكم على توجيهاتها الحقيقية، وليست هى العامل الوحيد، أو حتى العامل الرئيسى، الذى يحدد لها مكانها فى الحياة السياسية، أو يكسبها ثقة الشعب وعطف الجماهير، فقد تتشابه البرامج الحزبية فى القليل أو الكثير مما تنص عليه من المبادئ والشعارات، وتظل رغم ذلك مختلفة أو حتى متنافرة الى أبعد الحدود، فكثيرا ما تتفاوت أو تتسع شقة الخلاف بين المبادئ المعلنة، والشعارات المرفوعة، وبين السياسات والمواقف العلمية التى تتخذها هذه الأحزاب، والتى تعتبر هى المقياس الأساسى لتوجيهاتها الحقيقية، وتلك هى العلة الأساسية التى تصيب الكثير من الأحزاب، ولعلها أن تكون السبب الرئيسى لظاهرة الفراغ السياسى القائم الآن فى مصر، وفى انصراف جماهير الشعب عن تلك الأحزاب، رغم تعددها وما تنطور عليه برامج بعضها من مبادئ يصعب الاختلاف عليها.
ومن هنا نقول إن مستقبل هذا الحزب الجديد، ومدى نجاحه فى نيل ثقة وتأييد الجماهير، لن يتوقف على مدى صحة برنامجه، بقدر ما يتوقف على مدى إيمان قادته وأعضائه ببرنامج حزبهم ومبادئه، ومدى ما يبذلونه من جهد خلاق فى تطبيق هذا البرنامج وتلك المبادئ، ومدى صلابتهم وشجاعتهم فى الدفاع عن تلك المبادئ والمواقف، وعلى مدى عطائهم وتضحياتهم فى خدمة الشعب.